السنة الأخيرة لتروتسكي: القسم السادس

By دافيد نورث
٨ كانون الثاني يناير ٢٠٢١

نُشر في الأصل في 8 سبتمبر / أيلول 2020

خلال السنة الأخيرة من حياته ، تصارع تروتسكي مع الأسئلة الحاسمة للمنظور التاريخي التي أثارها اندلاع الحرب العالمية الثانية. لماذا تبعت ثورة 1917 في روسيا - التي أعلن البلاشفة أنها نذير للثورة الاشتراكية العالمية - هزائم الطبقة العاملة في إيطاليا والصين وألمانيا وإسبانيا- ، على سبيل المثال لا الحصر حيث تحولت أهم الأحداث السياسية إلى كوارث؟ لماذا لم يؤد الكساد العظيم - أعظم انهيار اقتصادي في تاريخ الرأسمالية - إلى الاشتراكية ، بل أدى إلى الفاشية والحرب؟ وأخيراً ، لماذا تحولت الدولة العمالية التي تأسست على أساس ثورة أكتوبر إلى نظام شمولي همجي؟

كان الجواب الذي قدمته جحافل من المثقفين البرجوازيين الصغار والراديكاليين السابقين هو أن الهزائم أثبتت إفلاس الماركسية والمنظور الكامل للثورة الاشتراكية. وقد وصف تروتسكي ، في مقال كتبه في مارس 1939 ، علم النفس السياسي والتوقعات لهذه الطبقات:

القوة لا تنتصر فحسب ، بل إنها "تقنع" بطريقتها الخاصة. لا يؤدي ظهور رد الفعل إلى تدمير الأحزاب جسدياً فحسب ، بل يؤدي أيضاً إلى تحلل الناس أخلاقياً. إنما كثير من السادة الراديكاليين قلوبهم في أحذيتهم. إن خوفهم لدى مواجهة رد الفعل يترجم إلى لغة النقد غير المادي والعالمي. "يجب أن يكون هناك خطأ ما في النظريات والأساليب القديمة!" "كان ماركس مخطًاً ..." "فشل لينين في التنبؤ ..." حتى أن البعض يذهب إلى أبعد من ذلك. ويقول  "الطريقة الثورية أثبتت إفلاسها". [1]

خلص المثقفون المحبطون إلى أن أكبر خطأ في الماركسية هو أنها نسبت إلى الطبقة العاملة مهمة ثورية لم تستطع تحقيقها. كان السبب الأساسي لجميع الكوارث التي حدثت في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين هوالطابع غير الثوري للطبقة العاملة.

بدأت الوثيقة التأسيسية للأممية الرابعة برفض صريح للمنظور الانهزامي وغير التاريخي لمناهضي الماركسيين. لم تكن المشكلة الأساسية لعصر احتضار الرأسمالية في غياب الطبقة الثورية ، بل بالأحرى ، كانت غياب القيادة الثورية القادرة على قيادة الطبقة العاملة إلى الاستيلاء على السلطة.

كتب تروتسكي إن "الوضع السياسي العالمي ككل اتسم بشكل رئيسي بوجود أزمة تاريخية لدى قيادة البروليتاريا". [2]

غالبًا ما يُقرأ هذا الإعلان المعروف على أنه لا يعدو أن يكون نصيحة ، تهدف إلى إلهام كادر الأممية الرابعة بإعلان خطابي مثير عن مهمة الحزب السياسية. إن مثل هذا التفسير يغفل الأهمية الحقيقية للبيان ، وهو تلخيص موجز للدرس الأساسي الذي كان يجب استخلاصه من هزائم الطبقة العاملة.

كتب ماركس في الرسالة الثانية عن فيورباخ  في عام 1845: "إن الخلاف حول واقعية أو عدم واقعية التفكير الذي يعزل نفسه عن الممارسة هو مسألة مدرسية بحتة". [3]إن إعادة صياغة هذا المفهوم الأساسي للمادية الفلسفية في سياق مصير الثورة الاشتراكية ، والصيغة التي استخدمها تروتسكي في افتتاح الوثيقة التأسيسية للأممية الرابعة نصت ، في جوهرها ، على أن جميع النقاشات حول ثورية أو انعدام ثورية. الطبقة العاملة ، بصرف النظر عن فحص ممارسة أحزابها ومنظماتها القيادية ، هو أمر تجريدي وخال من المضمون السياسي وخاطىء.

كان المقال الذي عمل عليه تروتسكي وقت مصرعه مكرساً لإثبات مفهومه عن أزمة القيادة. كان عنوان الداسة “ الطبقة والحزب والقيادة: لماذا هُزمت البروليتاريا الإسبانية؟ (أسئلة حول النظرية الماركسية) ". نُشر المقال ، الذي قٌطع فجأة في منتصفه، في عدد ديسمبر 1940 من  مجلة الأممية الرابعة، بعد أربعة أشهر من مصرع تروتسكي. وعلى الرغم من عدم اكتمال هذا المقال، إلا أنه يمكن أن يُنظر إليه من وجهة نظر فلسفية ونظرية وسياسية على حد سواء، إلا أنه يُصنف ضمن أكثر العروض عمقاً للعلاقة الديالكتيكية بين العوامل الموضوعية والذاتية للعملية الثورية في عصر احتضار  الرأسمالية.

كتب مقال تروتسكي ردًا على مراجعة معادية، نُشرت في المجلة الفرنسية الراديكالية ما العمل"  ، لكتيب بعنوان خيانةإسبانيا. كان مؤلف الكتيب هو ميتسيسلاف بورتنشتاين ، وهو عضو في الأممية الرابعة كتب تحت اسم مستعار م. كازانوفا كان بورتنشتاين قد قاتل في إسبانيا، حيث شهد التخريب الستاليني للثورة. وعلى الرغم من تأثر الكتيب بشكل أساسي بفضح تروتسكي للجبهة الشعبية وانتقاداته للسياسة الوسطية لحزب العمال الماركسي ، فقد استند إلى التجارب الشخصية للمؤلف في إسبانيا. و بصرف النظر عن هذا الكتيب ، هناك القليل نسبيًا من المعلومات المتاحة حول أنشطة بورتنشتاين السياسية. ومع ذلك ، فمن المعروف أن حياته انتهت بشكل مأساوي في سن 35. بعد استيلاء النازيين على فرنسا، حيث ألقت حكومة فيشي القبض على بورتنشتاين وتم ترحيله في نهاية المطاف إلى معسكر الإبادة في أوشفيتز، حيث قُتل في عام 1942.

كتب بورتنشتاين كراسه بعد استسلام حكومة الجبهة الشعبية التي هيمن عليها الستالينيون، دون مقاومة ، للجيش الفاشي بقيادة فرانكو. كان استسلام ما كان بمثابة قلعة للثورة العمالية تتويجاً لخيانة الجبهة الشعبية. وفي مقدمة الكتيب ، كتب كازانوفا-بورتنشتاين:

يجب أن أشرح ما حدث للتو على أساس تجربتي الخاصة. لا بد لي من الإبلاغ عن الحقائق. سوف أصف كيف تم التخلي عن المواقع الإستراتيجية ذات الأهمية الحاسمة دون قتال، وكيف تم تسليم خطط الدفاع  إلى العدو من قبل هيئة عامة غادرة ، وكيف تم تخريب صناعة الحرب وتم  بث الاضطراب في الاقتصاد، وكيف تم قتل أفضل مناضلي الطبقة العاملة ، وكيف تمت حماية الجواسيس الفاشيين من قبل الشرطة "الجمهورية" ، بهدف شرح كيفية خيانة النضال الثوري للبروليتاريا ضد الفاشية واستسلام إسبانيا لفرانكو.

إن تحليلي والحقائق التي سأصفها تعود جميعها إلى نفس الموضوع: السياسة الإجرامية للجبهة الشعبية. فقط الثورة العمالية كان بإمكانها هزيمة الفاشية. عملت السياسة الكاملة للقادة الجمهوريين والاشتراكيين والشيوعيين واالفوضويين على تدمير الطاقة الثورية للطبقة العاملة. "أولًا انتصر في الحرب وقم بالثورة بعد ذلك!" - كان هذا الشعار الرجعي هو الذي قتل الثورة ثم تمت خسارة الحرب بعد ذلك. [4]

أعلن كازانوفا-بورتنشتاين  أن من الضروري  تعلم الدروس المستفادة من الكارثة  الاسبانية  و"لم تفشل الاشتراكية ولا الماركسية في إسبانيا ، بل فشل أولئك الذين خانوها بشكل إجرامي". [5]

إن المراجعة العدائية لكتيب بورتنشتاين الذي نُشر في مجلة " ما العمل؟" ، التي أننشأها أعضاء منشقون سابقون في الحزب الشيوعي في فرنسا، كانت مثالاً على الموقف الساخر للوسطيين البرجوازيين الصغار. هوجم بورتنشتاين لتركيزه على الأحزاب والسياسات المسؤولة عن الهزيمة، بدلاً من التركيز على سمات الطبقة العاملة الإسبانية – وفي المقام الأول ، "عدم نضجها" - مما جعلها غير قادرة على هزيمة الفاشية. زعمت مجلة " ما العمل":لقد دخلنا في مجال علم الشياطين الخالص. المجرم المسؤول عن الهزيمة هو الشيطان الرئيسي ، أي ستالين ، بتحريض من الفوضويين وجميع الشياطين الصغار الآخرين ؛ لسوء الحظ ، لم يرسل إله الثوريين لينين أو تروتسكي إلى إسبانيا كما فعل في روسيا عام 1917. " [6]

عرض تروتسكي الانتقادات الاذعة لهجوم "ما العمل" على كتيب بورتنشتاين للتحليل  حيث  كتب أن "التعالي النظري" للمراجعة التي نشرتها المجلةأصبح أكثر روعة من حقيقة أنه من الصعب تخيل كيف يمكن ضغط هذا العدد الكبير من التفاهات والابتذال والأخطاء على وجه التحديد من النوع المفتقر للثقافة و المحافظ في سطور قليلة ". [7]

كان الغرض الأساسي من مراجعة " ما العمل" هو إعفاء الأحزاب والمنظمات والأفراد في قيادة الطبقة العاملة من كل مسؤولية عن الكارثة في إسبانيا. إن اللوم على "السياسة الجماهيرية الزائفة " لا يقع على عاتق مؤلفيها السياسيين ، ولكن على عاتق الطبقة العاملة ، التي كانت تميل نتيجة "عدم نضجها" إلى اتباع خط سياسي غير صحيح. كانت هذه الحجة التي ابتكرها مؤلف مراجعة "ما العمل"بمثابة اعتذار حقير بالنيابة عن مهندسي الهزيمة.و كتب تروتسكي:

لا يمكن لأي شخص يبحث عن الحشو أن يجد بشكل عام واحدة أكثر تملقًا. إن "السياسة الزائفة للجماهير" يفسرها "عدم نضج" الجماهير. لكن ما هو "عدم نضج" الجماهير؟ من الواضح ، أن ميلها لسياسات خاطئة. لكن ما هي بالضبط مكونات  السياسة الخاطئة؟ ، ومن هم المبادرون إليها ، الجماهير أم القادة؟ - يتم تجاوز ذلك بصمت من قبل كاتبنا. فمن خلال الحشو ، يلقي المسؤولية على عاتق الجماهير. هذه الحيلة الكلاسيكية لجميع الخونة والمنهزمين  ومحاميهم مثيرة للاشمئزاز بشكل خاص في ما يتعلق بالبروليتاريا الإسبانية. [8]

وقال المدافعون أنه حتى لو كان قادة الطبقة العاملة الإسبانية سيئين ، ألم يكن خطأ الجماهير أنها تبعت القادة السيئين؟ ردا ًعلى مثل هذه السفسطة الخبيثة ، أشار تروتسكي – الذي دعم رواية شاهدد العيان بورتنشتاين – إلى أن الطبقة العاملة سعت مرارًا وتكرارًا إلى اختراق الحواجز السياسية التي أقامها الستالينيون والاشتراكيون الديمقراطيون والفوضويون. وأنه كلما كانت الطبقة العاملة على وشك شن الهجوم ، قام قادتها الخائنون بنشر القوة لدعم السياسات المضادة للثورة. تم قمع انتفاضة الطبقة العاملة ضد السياسات الخائنة لحكومة الجبهة الشعبية بلا رحمة في برشلونة في مايو 1937  . وقد كتب تروتسكي:

يجب على المرء أن لا يفهم أي شيء على الإطلاق في مجال العلاقات المتبادلة بين الطبقة والحزب، بين الجماهير والقادة ، من أجل تكرار العبارة الجوفاء بأن الجماهير الإسبانية قد تبعت قادتها فقط. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقال هو أن الجماهير التي سعت في جميع الأوقات إلى شق طريقها إلى الدرب الصحيح وجدت أن إنتاج قيادة جديدة تتوافق مع متطلبات الثورة وسط نيران المعركة يتجاوز قدرتها. [9]

استذكر تروتسكي القول الشائع بابتذال بأن كل شعب يحصل على الحكومة التي يستحقها. وعند تطبيق هذه الحجة على مجال النضال الاجتماعي ، فإن هذه الحجة تنص على أن كل طبقة تحصل على القيادة التي تستحقها. وبالتالي ، إذا كان للعمال قادة سيئون ، فهذا ما يستحقونه ؛ لأنهم غير قادرين على إنتاج قادة أفضل.فرد تروتسكي على هذه الحجة الشكلية والميكانيكية.

في الواقع ، ليست القيادة على الإطلاق مجرد "انعكاس" لطبقة أو نتاج إبداعها الحر. إن القيادة تتشكل  في خضم الاشتباكات بين الطبقات المختلفة أو الاحتكاك بين الفئات المختلفة داخل طبقة معينة. وبمجرد ظهورها، ترتفع القيادة بشكل ثابت فوق طبقتها دائماً ، وبالتالي تصبح عرضة لضغط وتأثير الطبقات الأخرى. قد "تتسامح" البروليتاريا لفترة طويلة مع قيادة عانت بالفعل من انحطاط داخلي كامل ولكنها لم تتح لها الفرصة بعد للتعبير عن هذا الانحطاط وسط الأحداث الكبرى.

من الضروري حدوث صدمة تاريخية كبيرة للكشف بحدة عن التناقض بين القيادة والطبقة. وأقوى الصدمات التاريخية هي الحروب والثورات. لهذا السبب بالتحديد ، غالبًا ما الطبقة العاملة تتفاجأ  بالحرب والثورة. لكن حتى في الحالات التي كشفت فيها القيادة القديمة عن فسادها الداخلي ، لا يمكن للطبقة أن ترتجل على الفور قيادة جديدة ، خاصة إذا لم ترث من الفترة السابقة كوادراً ثورية قوية قادرة على استغلال انهيار الحزب القيادي القديم. إن التفسير الماركسي ، أي التفسير الديالكتيكي وليس التفسير المدرسي للعلاقة المتبادلة بين الطبقة وقيادتها ، لا يترك حجرًاً واحدًاً من سفسطة كاتبنا القانونية في مكانه. [10]

يدعي النقد البرجوازي للماركسية - خاصة لما يتم نشره في الأوساط الأكاديمية - بشكل عام أن المادية الفلسفية الحتمية لا تولي اهتمامًا كافياً "للعامل الذاتي" في التاريخ. وأن الماركسية ، المنشغلة بالبنية الاجتماعية الاقتصادية والطبقية للمجتمع ، لا تأخذ بعين الاعتبار تأثير الوعي ، خاصة في تجلياته فوق التاريخية وغير العقلانية ، في التطور الفوضوي للمجتمع. هذا النقد ، الذي ينسب إلى الماركسية فصلاً صارماً بين العوامل الموضوعية والذاتية ، يجمع بين الجهل والتشويه والتزييف الصريح. و كان الدور الحاسم للعامل الذاتي أحد الموضوعات المركزية في كتابات تروتسكي على مدى سنوات عديدة من خلال إعطاء أهمية خاصة لدور القادة السياسيين - في تحديد نتيجة النضالات الثورية.  في أحد المذكرات الأكثر شهرة التي احتفظ بها في عام 1935 ، أن تروتسكي شدد على الدور الحاسم الذي لعبه لينين في انتصار ثورة أكتوبر. "لو لم أكن حاضراً في بطرسبورغ عام 1917 ، لكانت ثورة أكتوبر قد حدثت - بشرط أن يكون لينين حاضراً وموجهاً لها." [11]

وفي دحضه لـمقال مجلة  "ما العمل" ، عاد تروتسكي إلى دور لينين في ثورة أكتوبر. ورفض قبول استبدال الحتمية الآلية بالتكييف الديالكتيكي للعملية التاريخية" و "السخرية الرخيصة حول دور الأفراد ، وحول الخير والشر". لا يتكشف الصراع الطبقي كعملية فوق بشرية. بل أن البشر الحقيقيون يشاركون ، وتلعب أفعالهم دورًاً – وهي تلعب في بعض الحالات ، دوراً حاسماً - في تحديد ما إذا كانت الانتفاضة الثورية ستلفى النجاح أو الفشل ، أو حتى ما إذا كانت ستحدث على الإطلاق.إن "وصول لينين إلى بتروغراد في 3 أبريل 1917 ، حول الحزب البلشفي في الوقت المناسب ومكن الحزب من قيادة الثورة إلى النصر." [12] ثم تابع تروتسكي:

قد يقول حكماؤنا أنه لو مات لينين في الخارج في بداية عام 1917 ، لكانت ثورة أكتوبر "بلا تغيير". ولكن الأمر ليس كذلك. مثَل لينين أحد العناصر الحية للعملية التاريخية. لقد جسد خبرة وبصيرة القسم الأكثر نشاطا ًىفي البروليتاريا. كان ظهوره في الوقت المناسب على ساحة الثورة ضرورياً لتعبئة الطليعة وإعطائها فرصة لحشد الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين. يمكن أن تصبح القيادة السياسية في اللحظات الحاسمة من المنعطفات  التاريخية عاملاً حاسمًا مثل دور القيادة الرئيسية خلال اللحظات الحاسمة من الحرب. فالتاريخ ليس عملية تلقائية. وإلا فلماذا وجود القادة؟ وما مبرر الحفلات؟ و البرامج؟ و الصراعات النظرية؟ [13]

لاحظ بورتنشتاين بمرارة في كتيبه أن جميع الأحزاب والأفراد الذين تكفلت أخطائهم السياسية وحتى خيانتهم الصريحة بهزيمة الثورة الإسبانية ادعوا في أعقابها أنه لا توجد نتيجة أخرى ممكنة. "إذا استمعنا إلى تفسيرات قادة الجبهة الشعبية ، بمن فيهم الفوضويين ، وإذا أخذنا هذه التفسيرات على محمل الجد ، فكل ما يمكننا فعله هو اليأس من كل شيء وفقدان الأمل في القدرات الثورية للبروليتاريا ومستقبلها و حتى مهمتها التاريخية ". [14] لم يكن هناك نقص في تقديم الأعذار للهزيمة.

ووفق رأي  الديمقراطيين في الجبهة الشعبية البرجوازية الصغيرة ، كان كل شيء محتوماً.  لقد برر الجمهوريون والاشتراكيون الهزيمة  بفعل التفوق العسكري للفاشيين أما الشيوعيون فبرروها بوجود برجوازية موالية للفاشية ( يا له من اكتشاف!) التي ، من خلال سياسة عدم التدخل ، فضلت فرانكو. لقد نسوا أن يضيفوا أنهم دعموا حكومة بلوم التي أطلقت هذه السياسة. وبرر الفوضويون تنازلاتهم وخياناتهم المتكررة من خلال الابتزاز الذي مارسه الروس عبر الأسلحة التي أرسلونها إلى الجمهوريين. أما بالنسبة لحزب العمال  الماركسي الموحد، فقد انضم أيضاً إلى الجوقة القدرية وقال: "كنا ضعفاء للغاية ، وكان علينا اتباع الآخرين ، وقبل كل شيء لم نتمكن من كسر العزلة". وهكذا كان كل شيء محتوماً. ما حدث كان يجب أن يحدث ، وقد ورد هذا مقدماً في القرآن ... [15]

أيد تروتسكي ، في فقرة رائعة ، بكل صدق إدانة بورتنشتاين للقدرية المبررة للذات لأولئك الذين قادوا العمال الإسبان إلى الهزيمة:

هذه الفلسفة العاجزة ، التي تسعى إلى التوفيق بين الهزائم بوصفهاحلقة ضرورية في سلسلة التطورات الكونية ، غير قادرة تمامًا على طرح مسألة العوامل الملموسة مثل البرامج والأحزاب والشخصيات التي كانت من منظمي الهزيمة وترفض طرحها. إن فلسفة القدرية والسجود هذه تتعارض تمامًا مع الماركسية كنظرية للعمل الثوري. [16]                                          

                                          *****

واصل تروتسكي العمل على السيرة الذاتية لستالين. كان الفصل الأخير من المجلد غير المكتمل بعنوان "رد الفعل الترميدوري" ، الذي قدم فيه صورة مدمرة وتقييمًا لستالين وحاشيته.

بشكل عام : في معسكر الستالينية ، لن تجد كاتباً أو مؤرخاً أو ناقداً موهوباً واحداً. إنها مملكة العاديين المتغطرسين. ومن ثم ،تم بسهولة استبدال  الماركسيين ذوي المؤهلات العالية عن طريق الصدفة ليحل محلهم أشخاص من الدرجة الثانية ممن أتقنوا فن المناورة البيروقراطية. كان ستالين أبرز شخص متوسط ​​الأداء في البيروقراطية السوفيتية. لا أجد أي تعريف آخر غير هذا. [17]

كان تحويل ستالين إلى "عبقري" من عمل البيروقراطية ، التي وجدت فيه أداة وحشية في سعيها للحصول على الامتيازات. كانت أسطورة ستالين ، التي نشأت من الأكاذيب ، هي من صِنع البيروقراطية. لاحظ تروتسكي أن "هذه الشخصية الضخمة والعضوية وغير القابلة للقهر من إنتاج الكذبة هي دليل لا يمكن إنكاره على أنها ليست مجرد مسألة طموحات شخصية لفرد ، بل هي شيء أكبر بما لا يقاس: كان على الطبقة الجديدة من المبتدئين المتميزين بناء أساطير خاصة بهم." [18]

جرى خنق  التطور الثقافي للاتحاد السوفييتي من قبل النظام البيروقراطي.وقد كتب تروتسكي: "إن أدب وفن الحقبة الستالينية سوف يسجلان في التاريخ كأمثلة على أكثر الفنون البيزنطية عبثية وخنوعًا". [19] حتى الفنانين الموهوبين حقًا أجبروا على ممارسة الدعارة في خدمة ستالين. استشهد تروتسكي بقصيدة أليكسيس تولستوي حيث صور ستالين على أنه إله: "أنت ، شمس الأمم الساطع ، " إلخ. وتعليقًا على هذه السطور ، كتب تروتسكي ، "لتسمية الأشياء بما تستحق ، فإن هذا الشعر يذكرنا بشخير الخنزير ". [20]

حتى العمارة السوفيتية تم تشويهها ودهورتها من قبل ستالين. كان مقر السوفييت ، الذي تم بناؤه وفقًا لمواصفات حددها ستالين ، "مبنىً همجي يوفر ، مع عدم جدواه وعظمته الفجة ، تعبيراً ملموساً عن نظام همجي خالٍ من أي أفكار أو منظور". [21] أما بالنسبة للأفلام ، فقد اضطر المخرجون والممثلون لأخذ تعليمات من ستالين. كان هدفهم الوحيد تمجيد الديكتاتور. "وبهذه الطريقة ، قُتل التصوير السينمائي السوفييتي، الذي حقق بداية واعدة ، وتم قتله وصار مثل حجر لا روح فيه". [22] 

أما بالنسبة لستالين الرجل ، فإلى أي حد يمكن فيه فصل الشخص الحي عن الأسطورة التي كان مغلفاً بها ، فإن صفته الأساسية ، كما أكد تروتسكي ، "هي القسوة الشخصية والجسدية ، والتي تسمى عادةً السادية". [23[

عجز ستالين  عن مناشدة أفضل غرائز الجماهير ، ولهذا لجأ إلى مداعبة غرائزها الأساسية - الجهل ، وعدم التسامح ، وضيق الأفق ، والبذائة. وسعى للاتصال بهم من خلال التعبيرات الخشنة. لكن هذه الخشونة تعمل أيضًا كتمويه لمكره. إنه يضع كل شغفه في خطط مدروسة بعناية ، ويخضع لها كل شيء آخر. كم كان يمقت السلطة! وكم أحب فرضها! [24]

أما عن موقفه الذاتي تجاه ستالين ، فكتب تروتسكي في الصفحة قبل الأخيرة من السيرة الذاتية:

المنصب الذي أشغله الآن فريد من نوعه. لذلك أشعر أن من حقي أن أقول إنني لم أشعر أبدًا بالكراهية تجاه ستالين. هناك الكثير مما قيل وكتب عن كرهي المزعوم لستالين الذي  ملأني على ما يبدو بأحكام قاتمة ومضطربة. لا يسعني سوى هز كتفي تجاه كل هذا. لقد افترق دربانا  منذ فترة طويلة لدرجة أن أي علاقة شخصية كانت بيننا قد تم إخمادها منذ فترة طويلة تمامًا. من ناحيتي ، وبقدر ما كان ستالين هو أداة القوى التاريخية الغريبة والمعادية لي ، فإن مشاعري الشخصية تجاه ستالين لا يمكن تمييزها عن مشاعري تجاه هتلر أو تجاه الميكادو الياباني. [25]

                                                ****                                    

     1940 يعيش كابوساً في مواجهة تقدم الهمجية. كم ظهرت الحضارة هشة وعاجزة في!بدا أن العالم 

فتحت ضغط رد الفعل ، تخلى حتى أكثر ممثلي المثقفين الأوروبيين ذكاء وحساسية عن كل أمل.

حتى أن والتتر بنيامين الذي عاش في المنفى حول يأسه  وإحباطه الشخصي وعبر عنه بشكل محبط وسقيم وكتب " ما كانت الهتلرية نفياً للحضارة بل جوهرها الحقيقي"... وأردف : " لا يوجد في التاريخ الثقافي وثيقة خالية من الهمجية  ، لأن الهمجية تلوث الطريقة التي تم بها نقلها من يد إلى أخرى ". [26]

لفت بنيامين الانتباه إلى لوحة الفنان بول كلي Angelus Novus.  ففي هذا العمل ، تم تصوير الطبيعة الحقيقية للعملية التاريخية: "وجهه متجه نحو الماضي. في حين تظهر أمامنا سلسلة من الأحداث ، فإنه يرى كارثة واحدة ، تراكم الحطام على الحطام ، الذي يلقى به عند قدميه ". [27] قاد يأس بنيامين إلى السخرية التي وجهها ضد منظور الثورة الاشتراكية. وقد كتب بمرارة أن " أن تلاميذ ماركس استمدوا(من بين أشياء أخرى) فكرة" الوضع الثوري "، الذي ، كما نعلم ، رفض دائمًا أن يأتي ". [28]

ماهو مسار العمل ، إذن ، الذي ما ترك لوالتر بنيامين سوى الانتحار؟ هرباً من فرنسا التي كانت تحت حكم فيشي ، وعلى مشارف الحدود الإسبانية ، انتحر بنيامين - مقتنعًا باليأس من وضعه - مساء 26 سبتمبر 1940. ولو انتظر يوماً آخر ، لكان الكاتب قد مر بأمان عبر الحدود .

لا شك أن تروتسكي كان ليشعر بتعاطف كبير مع بنيامين. لكن مشاعر اليأس كانت غريبة على الثوري. لقد مكنه إحساسه القوي بالتاريخ من وضع بهيميات عصره في سياقها المناسب. ففي قسم من سيرة ستالين حمل عنوان "مقارنة تاريخية" ، لاحظ تروتسكي: "في هذه الفترة من الانحدار الرأسمالي ، ينتج انحدار أوروبا العديد من سمات طفولة الرأسمالية. أوروبا الحالية تشبه بقوة إيطاليا في القرن الخامس عشر ". [29] بالطبع، كانت تلك حقبة "مثلت فيها الدول الصغيرة الخطوات الأولى لرأسمالية طفولية". لكن فترة عصر النهضة كانت تشبه العصر الحديث عند أحد الجوانب المهمة: "لقد كانت حقبة انتقال من القواعد القديمة إلى المعايير الجديدة - فترة غير أخلاقية ، وفي حد ذاتها ، مفتقرة إلى أي ضبط للنفس". [30] فالكرادلة "كتبوا أعمال كوميدية إباحية أنتجها الباباوات في محاكمهم". [31]

كان الفساد هو الخطاب الرئيسي في السياسة الإيطالية. كان فن الحكم يمارس في مجموعات ويتألف من فنون الكذب والخيانة والجريمة المموهة. أما الوفاء بالعقد أو  الالتزام بالوعد ، فكان يُعد ذروة الغباء. سار الدهاء جنباً إلى جنب مع العنف. كما أن الخرافات وانعدام الثقة سمما كل العلاقات بين رؤساء الدول. كانت فترة عائلات سفورساس ، ميديتشي ، بورجياس. لكنها لم تكن فقط فترة الغدر والتزوير والسم والمكرفقد كانت أيضًا فترة عصر النهضة. [32]

كما في عصر النهضة ، يجد الإنسان المعاصر نفسه

على حدود عالمين – العالم الرأسمالي البرجوازي الذي يعاني من العذاب والعالم الجديد المقدر أن يحل محله. الآن ، مرة أخرى ، نعيش في مرحلة الانتقال من نظام اجتماعي إلى آخر ، في عصر أزمة اجتماعية أعظم تصاحبها ، كما هو الحال دائمًا ، أزمة في الأخلاق. لقد اهتز القديم من أساسه.و بالكاد بدأ الجديد في الظهور. مرة أخرى ، بلغت التناقضات الاجتماعية إلى مستوى حدة استثنائية. [33] 

إن مثل هذه الفترات تفرض ضغوطا هائلة على الأفراد.

لما انهار السقف وسقطت الأبواب والنوافذ من مفصلاتها ، أصبح المنزل كئيبًا ويصعب العيش فيه. واليوم ، تهب الرياح العاصفة عبر كوكبنا بأكمله. [34]

                                               * * * * *

عد تروتسكي نجاته من هجوم 24 مايو بمثابة تأجيل لا أكثر . عرف أن الغيبو سينفذ محاولة أخرى لاغتياله. وقد ذكر هارولد روبينز ، في نقاش مع كاتب هذا المقال ، أن تروتسكي طلب لقاء مع الحراس في أوائل أغسطس. وقتها سيطرت على أخبار العالم أنباء الهجمات الجوية التي شنتها ألمانيا النازية ضد بريطانيا. أخبر تروتسكي الحراس أنه يتوقع أن يسعى ستالين للاستفادة من تشتيت انتباه الجمهور لتنفيذ محاولة اغتيال أخرى في أقرب وقت ممكن. وكان الصحفي المعروف في مكسيكو سيتي ، إدواردو تيليز فارغاس ، الذي كتب لـ El Universal ، التقى عدة مرات مع تروتسكي بعد غارة 24 مايو. واستذكر في مقابلة أجريت مع اللجنة الدولية في ديسمبر 1976 ، اجتماعه الأخير مع تروتسكي ، الذي حدث في 17 أغسطس 1940 ، قبل ثلاثة أيام فقط من الاغتيال. شعر تيليز فارغاس بإعجاب صادق بالثوري العظيم ، وكان منزعجًا للغاية مما قاله له تروتسكي.

جاءت لحظة كف فيها تروتسكي عن الثقة بأحد على الإطلاق. لم يثق بأحد. لم يحدد أو يسمي الأسماء، لكنه قال لي: "سأقتل إما على يد أحدهم هنا أو على يد أحد أصدقائي من الخارج ، على يد شخص لديه حق الوصول إلى المنزل. لأن ستالين لا يستطيع أن يتقبل بقائي على قيد الحياة". [35]

في يوم مقابلة تيليز فارغاس الأخيرة مع تروتسكي ، كان هناك زائر آخر للفيلا في جادة فيينا هو جاك مورنارد ، لكنه جاءهذه المرة بدون سيلفيا أجيلوف ، و تم قبوله في المجمع. زعم مورنارد أنه كتب مقالاً أراد أن يقرأه تروتسكي. كان تروتسكي ، الذي كان له عدة لقاءات قصيرة مع مورنارد ، قد أشار بالفعل إلى أنه لا يحب الرجل. اعتاد مورنارد التحدث في حضور تروتسكي عن "رئيسه" الذي أصبح ثرياً من خلال المضاربات التجارية. و في سيرتها الذاتية عن حياتها مع تروتسكي ، تذكرت ناتاليا سيدوفا أنه "كان غير مكترث تماماً" بحديث مورنارد عن مآثر رئيسه. كتبت سيدوفا: "كانت هذه المحادثات القصيرة تزعجني ، وكان ليون دافيدوفيتش يكرهها أيضاً. سألني "من هو هذا الرئيس الثري بشكل خرافي؟" "يجب أن نكتشف. بعد كل شيء ، قد يكون إنتهازياً مع ميول فاشية وقد يكون من الأفضل التوقف عن رؤية زوج سيلفيا تماماً ... "[36]

زاد الاجتماع مع مورناند في 17 أغسطس من قلق تروتسكي. خرج تروتسكي من مكتبه بعد عشر دقائق فقط. كان منزعجاً من سلوك مورناند .لاحظ تروتسكي أن مورنارد احتفظ بقبعته وقت دخوله المكتب ثم شرع في الجلوس على زاوية مكتب تروتسكي. كان هذا سلوكاً غير لائقاً بشكل غريب من قبل رجل ادعى أنه بلجيكي ونشأ في فرنسا. ساورت تروتسكي ، بعد بضع دقائق فقط مع مورناند ، شكوكاً حول جنسية الزائر. كما روى إسحاق دويتشر:

من هو [مورنارد- جاكسون] حقاً؟ يجب أن يكتشفوا ذلك. فوجئت ناتاليا. بدا لها أن تروتسكي "قد أدرك شيئاً جديداً بشأن" جاكسون "، لكنه لم يتوصل بعد ، أو بالأحرى لم يكن في عجلة من أمره ، للوصول إلى أي استنتاجات". ومع ذلك ، فإن الآثار المترتبة على ما قاله كانت مقلقة: إذا كان "جاكسون" خدعهم بشأن جنسيته ، فلماذا فعل ذلك؟ ألم يخدعهم في أمور أخرى أيضاً؟ ما هي؟ لا بد أن هذه الأسئلة كانت في ذهن تروتسكي ، فبعد يومين كرر ملاحظاته لهانسن ، كما لو كان للتأكد مما إذا كانت هناك مخاوف مماثلة قد انتابت أي شخص آخر غيره. [37]

حقيقة أن تروتسكي ، بعد بضع دقائق فقط مع مورنارد ، طور الشكوك حول جنسيته واشتبه في أنه قد يكون محتالًا ، يقود المرء إلى التساؤل عن سبب عدم ظهور شكوك مماثلة لدى ألفريد وماغريت روزمر ، وكلاهما فرنسي ، على الرغم من أنهما قضيا وقتا أكبر بكثير مع الرجل الذي كان سيصبح قاتل تروتسكي.

في وقت متأخر من بعد ظهر يوم الثلاثاء 20 أغسطس ، جاء مورناند مرة أخرى بلا موعد لرؤية تروتسكي. على الرغم من المخاوف التي نقلها إليه تروتسكي مباشرة ، وافق جوزيف هانسن - الذي كان تم الكشف عن علاقته الخاصة بالغيبو بعد أربعين عاماً تقريباً - على دخول مورناند إلى المجمع. وعلى الرغم من أن الطقس كان دافئاً والسماء صافية ، ارتدى مورنارد قبعة وحمل معطف واق من المطر. كان مخبأ داخل المعطف سكين ومسدس آلي وبلطة تٌستخدم في تسسلق الجبال. لم يتم تفتيش مورناند وسُمح له بمرافقة تروتسكي إلى مكتبه. أعطى تروتسكي ما ادعى أنه إعادة صياغة للمقال الذي قدمه في 17 أغسطس. ولما قرأ تروتسكي المقال ، سحب مورنارد بلطة تسلق الجبال منالمعطف ووهوى بها على جمجمة تروتسكي. لكن على الرغم من إصابته القاتلة ، قام تروتسكي من كرسيه وقاتل المهاجم. أما هارولد روبينز، فبعد أن سمع صراخ تروتسكي ، انطلق إلى المكتب وسيطر على القاتل.

بينما كان في طريقه إلى المستشفى في مكسيكو سيتي ، فقد تروتسكي وعيه. وتوفي في المساء التالي ، وكانت ناتاليا إلى جانبه .

                                               * * * * *

قبل ستة أشهر من اغتياله ، في 27 فبراير 1940 ، كتب تروتسكي وصيته. وأوصى بنشرها بعد وفاته. وعلى الرغم من أن قدرته على العمل ظلت غير منقوصة ، اعتقد تروتسكي أنه لم يكن لديه وقت طويل ليعيش. فبالإضافة إلى التهديد الدائم بالاغتيال ، عانى من ارتفاع ضغط الدم ، ولم يكن هناك علاج فعال في ذلك الوقت لهذا المرض. رفضت الوصية "الافتراء الغبي الخسيس لستالين وعملائه: لا توجد بقعة واحدة  على شرفي الثوري". [38] وأعرب عن قناعته بأن الأجيال الثورية المستقبلية ستعيد اعتبار ضحايا ستالين "وستتعامل مع منفذي الإعدام في الكرملين وفقاً لما يستحقون". وبعاطفة واضحة ، أشاد تروتسكي بنتاليا سيدوفا: "بالإضافة إلى السعادة لأني مناضل في سبيل  قضية الاشتراكية ، منحني القدر سعادة أن أكون زوجها". [39] ثم كرر تروتسكي للأجيال القادمة الغرض والمبادئ والفلسفة التي وجهت عمله في حياته:

ظللت ثورياً على مدى  ثلاثة وأربعين عاماً من حياتي الواعية. لقد ناضلت في اثنين وأربعين منها تحت راية الماركسية. وإذا اضطررت إلى البدء من جديد ، فسأحاول بالطبع تجنب هذا الخطأ أو ذاك ، لكن المسار الرئيسي في حياتي سيبقى دون تغيير. سأموت ثورياً بروليتارياً ، ماركسياً ، ومادياً ديالكتيكياً ، وبالتالي ملحداً لا يهادن. وإيماني بالمستقبل الشيوعي للبشرية ليس أقل حماسة ، بل إنه أقوى اليوم مما كان عليه في أيام شبابي. [40]

وجدت إنسانية تروتسكي واتساع رؤيته تعبيرها الكامل في خاتمة الوصية:

وصلت ناتاشا للتو إلى النافذة من الفناء وفتحتها على نطاق أوسع حتى يدخل الهواء بحرية أكبر إلى غرفتي. أستطيع أن أرى الشريط المشرق من العشب تحت الجدار ، والسماء الزرقاء الصافية فوق الحائط ، وضوء الشمس في كل مكان. الحياه جميلة. دع الأجيال القادمة تطهرها من كل شر واضطهاد وعنف وتمتع بها على أكمل وجه. [41]

                                               * * * * *

مر  ثمانون عاما على اغتيال تروتسكي. ومع ذلك ، فإن مرور الوقت لم يقلل من مكانته. ويلوح في الأفق ظل هذا العملاق السياسي للقرن العشرين بشكل أكبر في القرن الحادي والعشرين.

لقد أنصف التاريخ تروتسكي  وهجم  تماماً أعدائه. لقد تم تحطيم صرح الستالينية إلى أجزاء صغيرة. سيظل اسم ستالين مرتبطاً إلى الأبد بالخيانات الإجرامية. كان الضرر الذي ألحقته جرائمه بالاتحاد السوفييتي - سياسياً واقتصادياً وثقافياً – غير قابل للإصلاح. لن يُذكر ستالين إلا كواحد من أكثر شخصيتين بشاعة في القرن العشرين ، مارس القتل الجماعي وكان معاد للثورة وللاشتراكيين ، لم يتفوق عليه سوى هتلر في الشر. كان تروتسكي محقاً: "إن انتقام التاريخ أفظع بكثير من انتقام أقوى أمين عام". [42]

إن مكانة تروتسكي في التاريخ تدوم وتنمو بشكل أكبر لأن الاتجاهات والخصائص الأساسية للرأسمالية والإمبريالية المعاصرة تتوافق مع تحليله لديناميكية الأزمة الرأسمالية العالمية ومنطق الصراع الطبقي العالمي. كتاباته - التي لا غنى عنها لفهم العالم المعاصر - تظل حاضرة مثل يوم كتابتها. إن حياة ونضالات تروتسكي ، وتفانيه الذي لا ينضب من أجل تحرير البشرية ، سوف يستمر في التاريخ.

لم يتجاوز العالم ليف دافيدوفيتش تروتسكي. ما زلنا نعيش في العصر الذي وصفه بأنه عذاب احتضار الرأسمالية. إن الحل الذي قدمه لأزمة الرأسمالية – أي الثورة الاشتراكية العالمية - يوفر السبيل التاريخي التقدمي الوحيد للخروج من الأزمة الوجودية للنظام الرأسمالي.

لكن هذا الحل يتطلب حل أزمة القيادة الثورية. هذه هي المهمة التي تكرس اللجنة الدولية للأممية الرابعة نفسها لها وهي تحيي الذكرى الثمانين لوفاة تروتسكي.

تم المقال.

 [1] “Once Again on the ‘Crisis of Marxism,” in Writings of Leon Trotsky 1938–39 (New York: 1974), p. 205
[2] The Death Agony of Capitalism and the Tasks of the Fourth International (New York: 1981), p. 1
[3] Marx-Engels Collected Works Volume 5 (New York: 1976), p. 6
[4] Mieczyslaw Bortenstein (M. Casanova), Spain Betrayed: How the Popular Front Opened the Gate to Franco, Introduction at https://marxists.architexturez.net/history/etol/document/spain2/index.htm
[5] Ibid
[6] Citation by Trotsky from Que Faire article in “The Class, The Party, and the Leadership,” The Spanish Revolution 1931–39 (New York, 1973), p. 355
[7] Ibid, p. 355
[8] Ibid, pp. 355–56
[9] Ibid, p. 357
[10] “The Class, the Party, and the Leadership,” in The Spanish Revolution 1931–39 (New York: 1973), p.358
[11] Trotsky’s Diary in Exile 1935 (New York: 1963), p. 46, Emphasis in the original
[12] “The Class, the Party, the Leadership,” p. 361
[13] Ibid, p. 361–62
[14] Spain Betrayed, Chapter 21, at https://marxists.architexturez.net/history/etol/document/spain2/index.htm
[15] Ibid, Chapter 21 at https://marxists.architexturez.net/history/etol/document/spain2/index.htm
[16] “The Class, the Party, the Leadership”, p. 364
[17] StalinAn Appraisal of the Man and His Influence, translated by Alan Woods (London: 2016), p. 663
[18] Ibid, p. 671
[19] Ibid, p. 671
[20] Ibid, p. 671
[21] Ibid, p. 671
[22] Ibid, p. 671
[23] Ibid, p. 667
[24] Ibid, p. 667
[25] Ibid p. 689 [There is an error in the English translation of the original Russian text, which has been corrected in the Spanish edition of the biography. The text as it appears in this essay incorporates the correction.]
[26] Walter Benjamin Selected Writings, Volume 4: 1938–1940 (Cambridge and London, 2003), p. 392
[27] Ibid, p. 392
[28] Ibid, pp. 402–03
[29] Stalin, op. cit., p. 682
[30] Ibid, p. 682
[31] Ibid, p. 683
[32] Ibid, p. 682
[33] Ibid, p. 689
[34] Ibid, p. 689
[35] International Committee of the Fourth International, Trotsky’s Assassin At Large (Labor Publications, 1977), p. 16
[36] Victor Serge and Natalia Sedova Trotsky, The Life and Death of Leon Trotsky (New York, 1975), p. 265
[37] The Prophet Outcast, Trotsky: 19291940 (New York: 1965), pp. 498–99
[38] Writings of Leon Trotsky 1939–40, p. 158
[39] Ibid, p. 158
[40] Ibid, pp. 158–59
[41] Ibid, p. 159
[42] Stalin, op. cit., p. 689