السنة الأخيرة لتروتسكي  :الجزء الثالث

By دافيد نورث
١٦ تشرين الثاني نوفمبر ٢٠٢٠

تم نشر هذا لأول مرة باللغة الإنجليزية في 25 أغسطس 2020

بعد الانتهاء من بيانه الخاص بالمؤتمر الطارئ للأممية الرابعة، توقف جدول تروتسكي االشاق لذي لا هوادة فيه لكتابة المشاريع بسبب حدث كان قد توقعه منذ فترة طويلة، على الرغم من أنه لم يكن من الممكن التنبؤ بموعده بالضبط. ففي ساعات الصباح الباكر من يوم 24 مايو 1940 ، قاد الرسام المكسيكي والستاليني المتعصب دافيد ألفارو سيكيروس فرقة من القتلة، مسلحين ببنادق رشاشة من عيار 45 طومسون وبنادق آلية من عيار 30 وقنابل حارقة ، في هجوم على زعيم الأممية الرابعة.

لم يكن على القتلة اقتحام الفيلا الواقعة في شارع أفينيدا فيينا حيث قام الحارس روبرت شيلدون هارت بفتح البوابة الحديدية وسمح للقتلة بالدخول. و من الواضح أن المسلحين كانوا على دراية بالمخطط الكامل للمجمع. تحركت إحدى المجموعات باتجاه قسم الفيلا الذي يضم غرف نوم تروتسكي وزوجته ناتاليا وحفيدهما سيفا.     و تحركت مجموعة أخرى بسرعة إلى الطرف الآخر من الفناء، خارج قسم المجمع حيث تم إيواء حراس تروتسكي. بينما أطلقت المجموعة الثانية من المسلحين النار في اتجاه غرف الحراس، مما أدى إلى شلهم بشكل فعال وجعلهم منعدمي الفاعلية تماماً، كما دخل الفريق الرئيسي من القتلة غرفة نوم تروتسكي.

كانت الغرفة مظلمة، وأطلق القتلة النار بعنف في جميع الاتجاهات. كان تروتسكي قد تناول حبة منوم بعد جلسة عمل استمرت طوال الليل وكان مترنحًا لما أيقظه الرصاص. استجابت ناتاليا بسرعة أكبر وأنقذت حياة تروتسكي الذي استرجع في مقال "ستالين يطلب موتي" الذي كُتب في الأسبوع الأول من يونيو 1940 وقائع الهجوم:

كانت زوجتي قد قفزت بالفعل من سريرها. واستمر إطلاق النار بشكل متواصل. أخبرتني زوجتي في ما بعد أنها ساعدتني على الاستلقاء أرضاً ودفعتني إلى الفراغ بين السرير والحائط. كان هذا صحيحًا تمامًا. بقيت هي واقفة بحذاء الحائط، وكأنها تحميني بجسدها. ولكن عن طريق الهمسات والإيماءات أقنعتها بالاستلقاء على الأرض. أتت الطلقات من جميع الجهات، وكان من الصعب معرفة مصدرها. وفي وقت من الأوقات، تمكنت زوجتي، كما أخبرتني لاحقاً، من التمييز بوضوح بين صليات إطلاق النار من البندقية؛ وعليه فقد تم إطلاق النار داخل الغرفة  على الرغم من أننا لم نتمكن من رؤية أي شخص. انطباعي هو أنه تم إطلاق حوالي مئتي رصاصة، سقط حوالي مئة منها بجانبنا.و تطايرت شظايا الزجاج من النوافذ والرقائق من الجدران في كل الاتجاهات. بعد ذلك بقليل شعرت أن رجلي اليمنى أصيبت بجروح طفيفة في موضعين.[1]

لما انسحب المسلحون من الغرفة، سمع تروتسكي صرخة سيفا، حفيده البالغ من العمر 14 عامًا. استرجع تروتسكي هذه اللحظة الرهيبة:

ظل صوت الطفل في الظلام تحت نيران الذخيرة أكثر ما يتذكره مأساوية تلك الليلة. ألقى الصبي – بعد الطلقة الأولى التي اخترقت سريره بشكل مائل كما يتضح من العلامات التي تركت على الباب والجدار – بنفسه تحت السرير. أطلق أحد المهاجمين ، وهو في حالة من الذعر على ما يبدو، النار على السرير، ومرّت الرصاصة عبر الفراش ، وأصابت حفيدنا في إصبع قدمه الكبير وانغرست في الأرض. كماألقى المهاجمون قنبلتين حارقتين وتركوا غرفة نوم حفيدنا. صاح باكياً: "جدي!"ثم ركض وراءهم إلى الفناء، تاركًا وراءه أثرًا من الدماء واندفع إلى غرفة أحد الحراس وسط إطلاق النار.[2]

عزا تروتسكي نجاته إلى ضربة حظ: 

كانت الأسرة هدفاً لإطلاق النار. ربما خشي المهاجمون ضرب بعضهم البعض فأطلقوا النار بشكل غريزي أعلى أو أخفض  مما ينبغي. لكن هذا مجرد تخمين ذاتي. من الممكن أيضًا أن أكون أنا وزوجتي قد ساهمنا في ضربة الحظ من خلال عدم فقدان رباطة جأشنا، وعدم التجول في جميع أنحاء الغرفة، وعدم الصراخ أو طلب المساعدة فحين يكون الأمر ميئوسًا منه لا يكون هناك جدوى من القيام بأي شيء ولذا ظللنا  على الأرض بهدوء متظاهرا بالموت. [3]

تمكنت فرقة الاغتيال من الهروب دون أن تدرك أن مهمتها انتهت بالفشل. غادر تروتسكي غرفته ودخل الفناء، حيث كان الدخان لا يزال يتصاعد إثر إطلاق النار. بحث عن أفراد من الحراس ممن بقوا في غرفهم. لم يتم تدريب أي منهم على الرد على اعتداء من هذا النمط. وكانت جهودهم للرد على إطلاق النار متقطعة وغير فعالة. تعطل رشاش هارولد روبينز من المحاولة الأولى. علم في ما بعد أنه تم تذخير السلاح بطلقات غير ملائمة. تذكر روبينز أن سلوك تروتسكي كان هادئًا بشكل ملحوظ. فبعد أن خاض العديد من المعارك خلال الحرب الأهلية الروسية الوحشية بين عامي 1918 و 2121 ، لم يكن القائد الأعلى السابق للجيش الأحمر غريباً عن نيران الأسلحة النارية. لكن روبينز شعر أيضًا أن تروتسكي أصيب بخيبة أمل بسبب الاستجابة غير الفعالة تمامًا من قبل حراسه. [4]

اكتشف الحراس أن أحد عناصر الشرطة المكسيكية، الذي تم تكليفه بحراسة موقع خارج الفيلا، قد تم تقييده. وبناء على تعليمات تروتسكي، تم فك قيوده على الفور. كان الاكتشاف الأكثر إثارة للقلق هو أن روبرت شيلدون هارت قد غادر مع المهاجمين، الأمر الذي أثار على الفور شكوكًا حول تورطه في المؤامرة. لكن في غياب دليل قاطع على تورط هارت، أيد تروتسكي براءته ، وهو الموقف الذي بدا أنه تم تبريره حين تم اكتشاف جثة الحارس بعد عدة أسابيع.

تردد تروتسكي، في أعقاب الهجوم مباشرة ، لأسباب يمكن فهمها جيدًا، في توجيه اتهام إلى هارت. لكنه لم يستبعد احتمال أن يكون هارت قد تصرف بالتواطؤ مع الغيبو. كتب تروتسكي: "على الرغم من جميع الاحتياطات"، "من المستحيل بالطبع استبعاد احتمال أن عميلًا منفردًا من الغيبو قد شق طريقه إلى الحرس". [5] وأشار إلى أن هارت، بسبب اختفائه، قد تعرض للشبهات. لكن استنادًا إلى الأدلة المتوفرة في ذلك الوقت، لم يكن تروتسكي مستعدًا لاستنتاج أن هارت مذنب. وافق على احتمال أن المعلومات الجديدة قد تتطلب إعادة تقييم دور هارت. وتابع أنه مهما كان الحكم النهائي، "إذا كان يجب تأكيد مثل هذه المشاركة على عكس كل افتراضاتي ، فلن تغير شيئًا جوهريًا في طبيعة الهجوم. بمساعدة أحد أفراد الحرس أو بدون هذه المساعدة، نظم الغيبو مؤامرة لقتلي وحرق أرشيفاتي ".[6]

أعرب تروتسكي عن ثقته في اختيار حزب العمال الاشتراكي للحراس. "تم إرسالهم جميعًا إلى هنا بعد اختيار خاص من أصدقائي القدامى ذوي الخبرة."[7] ما لم يعرفه تروتسكي هو أن حزب العمال الاشتراكي لم يفحص بجدية الأفراد الذين أرسلهم من الولايات المتحدة إلى كويواكان. ففي حالة هارت، لم يكن للنيويوركي البالغ من العمر 25 عامًا أي تاريخ سياسي تقريبًا في حزب العمال الاشتراكي. وبعد اختفاء ابنه، سافر والده جيسي هارت ، وهو رجل أعمال ثري وصديق ج. إدغار هوفر، إلى المكسيك.و خلال لقاءات مع الشرطة المكسيكية، أبلغهم هارت الأب أنه عٌثر على صورة لستالين في شقة ابنه في نيويورك. وحين تم تسريب هذه المعلومات إلى الصحافة في وقت لاحق، أرسل تروتسكي برقية إلى جيسي هارت يطلب فيها تأكيد هذا التقرير. رد هارت بإنكار لا لبس فيه وغير أمين: "صورة ستالين  لم تكن بالتأكيد في غرفة نوم ابني شلدون.[8]

وفي إطار التحقيق في اغتيال تروتسكي، الذي بدأته في عام 1975 ، استعرضت اللجنة الدولية للأممية الرابعة جميع الأدلة المتعلقة بدور شيلدون هارت في غارة 24 مايو. وخلصت اللجنة الدولية للأممية الرابعة إلى أن هارت كان بالفعل مشاركًا في المؤامرة. تم استنكار هذه النتيجة من قبل حزب العمال الاشتراكي  ، بقيادة جوزيف هانسن، وحلفائه في المنظمات البابلوية المناهضة للتروتسكية في جميع أنحاء العالم، الذين عارضوا بشدة انكشاف عملاء الشرطة الستالينيين داخل الأممية الرابعة. ونددوا بالتحقيق في اغتيال تروتسكي ووصفوه بأنه "اصطياد  عملاء". واتهمت اللجنة الدولية للأممية الرابعة في بيان عام صادر عن حزب العمال الاشتراكي وحلفائه الدوليين بـ "تدنيس قبر روبرت شيلدون هارت"[9]. 

أثبت الإفراج عن أرشيف الغيبو بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991 بشكل قاطع أن هارت كان عميلًا ستالينيًا، ولعب دورًا حاسمًا في محاولة 24 مايو لاغتيال تروتسكي. فبعد عدة أيام من محاولة الاغتيال، كافأت الـغيبو هارت على خيانته بقتله. احتقارًا للخائن الشاب، نظر سيكيروس وشركاؤه إلى هارت بوصفه شخصاً غير موثوقاً قد يتحدث إذا استجوبته الشرطة في نهاية الأمر. وأثناء نوم هارت، أطلقوا رصاصة على دماغه، وألقوا بجسده في حفرة ترابية وغطوها بالجير. تم اكتشاف بقايا هارت المتحللة بعد عدة أسابيع.

على الرغم من الحقيقة الواضحة المتمثلة في أن محاولة اغتيال تروتسكي قد تمت بناءً على أوامر ستالين، فقد بدأ عملاء الغيبو العاملون في الحزب الشيوعي المكسيكي  والنقابات العمالية والصحف حملة لإرباك الرأي العام من خلال الادعاء بأن غارة 24 مايو كانت في واقع الأمر بمثابة في الواقع "اعتداء على الذات" نظمه تروتسكي نفسه.  لكن في مقالتين رئيسيتين، "ستالين يسعى إلى موتي" و "الكومنترن والغيبو" ، وهو أنهى المقال الثاني في 17 أغسطس 1940 ، قبل ثلاثة أيام فقط من الهجوم الثاني والناجح الذي نفذه رامون ميركادر –وتمكن تروتسكي من تفنيد الادعاءات الستالينية بشكل مدمر. 

ففي مقال"الكومنترن والغيبو" ، كشف تروتسكي عن سخافة الادعاء بأنه كان سينظم هجوم 24 مايو أو يخطط له:

ما هي الأهداف التي يمكن أن أسعى إلى تحقيقها في مشروع وحشي بغيض وخطير؟ لم يشرحها أحد حتى يومنا هذا. تم التلميح إلى أنني أردت تشويه ستالين وشرطته السرية (الغيبو). لكن هل سيضيف هجوم آخر أي شيء على الإطلاق إلى سمعة رجل دمر الجيل القديم بأكمله من الحزب البلشفي؟ يقال أنني أرغب في إثبات وجود "الطابور الخامس". لماذا ا؟ لاجل ماذا؟ إلى جانب ذلك، فإن وكلاء الغيبو كافون تمامًا لارتكاب اعتداء ؛ ليست هناك حاجة إلى "الطابور الخامس" الغامض. يقال إنني كنت أرغب في خلق صعوبات للحكومة المكسيكية. ما هي الدوافع التي يمكن أن تكون لدي لتوليد صعوبات للحكومة الوحيدة التي كانت مضيافة معي؟ يقال إنني أردت إثارة حرب بين الولايات المتحدة والمكسيك. لكن هذا التفسير ينتمي بالكامل إلى مجال الهذيان. من أجل إثارة مثل هذه الحرب، كان من الأفضل على أي حال تنظيم هجوم على سفير أمريكي أو على أقطاب نفط وليس على ثوري بلشفي، غريب عن الدوائر الإمبريالية ومبغضًا لها.

حين نظم ستالين محاولة اغتيالي، فإن معنى أفعاله واضح: إنه يريد تدمير عدوه الأول. وبالتالي لا يتعرض ستالين لأي مخاطر؛ يتصرف من مسافة بعيدة. على العكس من ذلك، فمن خلال تنظيم "اعتداء على الذات" يجب أن أتحمل المسؤولية عن مثل هذا المشروع بنفسي ؛ وأن أخاطر بمصيري ومصير عائلتي وسمعتي السياسية وسمعة الحركة التي أخدمها. ماذا سأجني من ذلك؟

ولكن حتى لو قبل المرء بالمستحيل، أي أنه بعد التخلي عن سبب حياتي كلها، والدوس على الفطرة السليمة والمصالح الحيوية الخاصة بي، فقد قررت تنظيم "الاعتداء على الذات" من أجل هدف غير معروف ثم يبقى السؤال التالي: أين وكيف حصلت على عشرين منفذ؟ كيف زودتهم بزي الشرطة؟ كيف قمت بتسليحهم؟ كيف جهزتهم بكل الأشياء الضرورية؟ الخ. بعبارة أخرى ، كيف ابتكر رجل يعيش في عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي، مشروعاً لا يمكن تصوره إلا من قبل جهاز قوي؟ اسمحوا لي أن أعترف أنني أشعر بالحرج في تعريض فكرة هي أدنى من كل نقد.[10]

في تحليله للإعداد السياسي للغيبو للهجوم، قدم تروتسكي دليلاً جديدًا على نظرته الثاقبة غير العادية. ولفت الانتباه إلى المؤتمر الاستثنائي للحزب الشيوعي المكسيكي، الذي عقد في مارس 1940. وكان الموضوع الرئيسي الذي سيطر على المؤتمر هو الحاجة إلى القضاء على التروتسكية. يعتقد تروتسكي أن قرار المؤتمر بطرد هيرنان لابورد، الأمين العام للحزب الشيوعي المكسيكي، وفالنتين كامبا، وهو شخصية بارزة في النقابات العمالية، كان مرتبطًا بالحاجة إلى تنحية القادة  المفردين، ممن كانوا مترددين في تورط الحزب في مؤامرة اغتيال خطيرة وغير شعبية، عن مواقع السلطة.  أكد تروتسكي أن مبادرة هذا التطهير جاءت بوضوح من خارج المنظمة، أي من الغيبو الذي يعمل بتوجيهات من نظام الكرملين. كما أوضح تروتسكي أن تنفيذ التغييرات التنظيمية الهمجية في المؤتمر كان سيتطلب عدة أشهر للتحضير، وطرح أن أمر محاولة الاغتيال وصل من موسكو في نوفمبر أو ديسمبر 1939.

إن تحليل تروتسكي للتحضيرات المطولة لهجوم 24 مايو وأهمية المؤتمر الاستثنائي للحزب الشيوعي المكسيكي قد تم إثباته من خلال دراسة جديدة أظهرت أن التخطيط لقتل تروتسكي بدأ في ربيع عام 1939حيث تم الاتصال بلابورد من قبل عميل من الغيبو كان يعمل تحت غطاء الكومنترن. كانت مهمة العميل "السعي للحصول على تعاون أمانة الحزب الشيوعي المكسيكي في خطط للقضاء على تروتسكي. يُزعم أن لابورد تشاور مع كامبا ورافائيل كاريلو [عضو قيادي آخر في الحزب الشيوعي المكسيكي] وتوصل إلى استنتاج مفاده أن مثل هذه الخطوة لن تعرض علاقات الحزب الشيوعي المكسيكي مع حكومة كارديناس للخطر فحسب ، بل كانت على أي حال غير ضرورية لأن تروتسكي قد  فقد قواه". [11]

لم يتفق الغيبو مع تقييم لابورد وكامبا للتأثير السياسي لتروتسكي. فسافر لابورد وكامبا وكاريلو إلى نيويورك في مايو 1939 لطلب الدعم من إيرل براودر، زعيم الحزب الشيوعي في الولايات المتحدة ، لمعارضة الهجوم على تروتسكي. لكنهم لم ينجحوا.  تم اتخاذ قرار عقد المؤتمر الاستثنائي في الجلسة الكاملة في سبتمبر 1939 للجنة الوطنية للحزب الشيوعي المكسيكي. وفقًا للباحث باري كار ، كان الحزب الشيوعي في الولايات المتحدة والكومنترن قلقين "بشأن أوجه القصور في حملة الحزب المكسيكي المناهضة لتروتسكي ودفاعه السطحي المفترض عن السياسة الخارجية السوفيتية، ولا سيما قرار التدخل عسكريًا في فنلندا في نوفمبر  1939.[12]" 

صدرت أول دعوة عامة للمؤتمر الاستثنائي في نوفمبر. بدأ مندوبو الكومنترن بالوصول إلى المكسيك من أوروبا، وهم في الواقع عملاء الغيبو. وكان من بينهم فيتوريو كودوفيلا ، الذي كان متمركزًا في إسبانيا. وكتب كار أن مبعوثي الكومنترن كانوا غير راضين عن الاستعدادات للمؤتمر المخطط له ولا عن جدول أعماله.

اقترح كودوفيلا إعادة كتابة جدول الأعمال بصورة كاملة والتركيز على نقطة أساسية واحدة "حتى لا يتشتت انتباه المندوبين". ومضى  يحدد هيكل الأجندة المنقحة، بما في ذلك إضافة بند جديد حول النضال ضد أعداء الشعب (بحيث يكون الموضوع الرئيسي هو النضال ضد التروتسكية ...).

لم يقصر المبعوثون أنشطتهم على الاقتراحات حول شكل الوثائق الأولية للمؤتمر الاستثنائي. كما حثوا الحزب على "تنظيف البيت" قبل المؤتمر ، وطرد التروتسكيين ... وتم عرض خدمات الشيوعيين الإسبان المنفيين للقيام بهذه المهمة. [13]

عدَّ ستالين أن تروتسكي أخطر تهديد سياسي لنظامه،و توصل إلى اعتبار قرار ترحيل تروتسكي من الاتحاد السوفيتي عام 1929 أكبر خطأ سياسي ارتكبه. كان ستالين  افترض أن تروتسكي، المعزول في بلد أجنبي، لن يكون قادرًا على تشكيل معارضة جادة للكرملين. لكن كان ستالين مخطئا. كما لاحظ تروتسكي ، "لقد أظهرت الأحداث ، مع ذلك، أنه من الممكن المشاركة في الحياة السياسية دون امتلاك أي جهاز أو موارد مادية". و كتب كاتب سيرة ستالين، ديمتري فولكوجونوف، الذي كان بإمكانه الوصول إلى  الأوراق الخاصة بموضوعه ، أن الديكتاتور كان مهووسًا بـ "شبح تروتسكي".

لقد فكر [ستالين] في تروتسكي لما اضطر إلى الجلوس والاستماع إلى مولوتوف وكاغانوفيتش وخروتشوف وزدانوف [أعضاء المكتب السياسي الستاليني]. كان تروتسكي من عيار فكري مختلف، بإدراكه التنظيمي ومواهبه كمتحدث وكاتب. كان في كل شيء أفضل بكثير من هذه المجموعة من البيروقراطيين ، لكنه كان أيضًا متفوقًا على ستالين وعرف ستالين هذا. كاد ينوح: "كيف تركت مثل هذا العدو يفلت من أصابعي؟"[14]. وفي إحدى المرات اعترف لدائرته الصغيرة أن ذلك كان أحد أكبر الأخطاء في حياته ...

كانت فكرة أن تروتسكي كان يتحدث ليس فقط باسمه ، ولكن باسم جميع مؤيديه الصامتين والمعارضين داخل الاتحاد السوفيتي، مؤلمة بشكل خاص لستالين. فلما قرأ أعمال تروتسكي، مثل مدرسة ستالين للتزوير، أو رسالة مفتوحة لأعضاء الحزب البلشفي، أو الثيرميدورالستاليني، كاد الزعيم أن يفقد سيطرته على نفسه. [15]

لم تكن كراهية ستالين لتروتسكي ذات طابع شخصي بحت ، بل إن هذا مرجح . كانت الأبعاد القاتلة لغضبه هي التعبير المركز عن العداء الذي شعرت به البيروقراطية الحاكمة  بوصفها فئة متميزة ، تجاه ألد خصومها. كما أوضح تروتسكي في مقال"الكومنترن و الغيبو".

تنبع كراهية الأوليغارشية في موسكو لي من اقتناعها الراسخ بأنني "خنتها". هذا الاتهام له معنى تاريخي خاص. لم ترفع البيروقراطية السوفيتية ستالين إلى القيادة دفعة واحدة ودون تردد. حتى عام 1924 ، كان ستالين غير معروف حتى بين الدوائر الحزبية الأوسع، ناهيك عن الشعب، وكما قلت بالفعل، لم يكن يتمتع بشعبية في صفوف البيروقراطية نفسها. كانت الطبقة الحاكمة الجديدة تأمل في أن أتولى الدفاع عن امتيازاتها.و لم تٌقصر في بذل الجهود في هذا الاتجاه.  فقط بعد أن أصبحت البيروقراطية مقتنعة بأنني لم أكن أنوي الدفاع عن مصالحها ضد الكادحين، بل على العكس من ذلك، لأنني كنت مع مصالح الكادحين ضد الأرستقراطية الجديدة، وقتها حدث الانعطاف الكامل نحو ستالين ، وتم إعلاني "خائن". يشكل هذا اللقب على شفاه الطبقة المتميزة دليلاً على ولائي لقضية الطبقة العاملة. وليس من قبيل الصدفة أن 90٪ من الثوريين الذين بنوا الحزب البلشفي، وصنعوا ثورة أكتوبر، وأنشأوا الدولة السوفيتية والجيش الأحمر، وقادوا الحرب الأهلية، تم تدميرهم بوصفهم "خونة" خلال الاثني عشر عامًا الماضية. و من ناحية أخرى، استحوذ الجهاز الستاليني على صفوف الحزب خلال هذه الفترة ، حيث سبق أن وقفت الغالبية العظمى من الأعضاء الجدد على الجانب الآخر من المتاريس في سنوات الثورة.[16]

لم يقتصر الانحطاط السياسي والانحلال الأخلاقي على الحزب الشيوعي السوفيتي. فقد لوحظت نفس العملية الخبيثة في جميع فروع الكومنترن، الذي تم تغيير قياداته في كل بلد بما يتماشى مع المتطلبات السياسية والأيديولوجية للكرملين. لم يتم اختيار القادة الوطنيين على أساس عنادهم الثوري وذكائهم السياسي ونزاهتهم الشخصية. ما سعى إليه الكرملين لدى الأفراد الذين اختارهم قادة للأحزاب الوطنية هو الضعف والانتهازية والاستعداد لتلقي الأوامر. كان تروتسكي على دراية بالنوع الذي يفضله ستالين:

"نظرًا لافتقارهم إلى المكانة المستقلة، والأفكار المستقلة، والتأثير المستقل، فإن قادة فروع الكومنترن أدركوا جيدًا أن موقفهم وسمعتهم مرتبطة بموقف الكرملين وسمعته. وبالتالي، وكما سيظهر لاحقًا، فإنهم عاشوا وفق تعليمات الغيبو. وعليه ، تحول صراعهم من أجل الوجود إلى دفاع مسعور عن الكرملين ضد أي معارضة وضد كل معارضة. لا يسعهم إلا أن يشعروا بصحة النقد الذي يأتي من ما يسمى بالتروتسكيين وبالتالي أدركوا خطره. لكن هذا فقط يضاعف من كراهيتهم لي ولمن يشاركوني أفكاري.  و مثل أسيادهم في الكرملين، لا يستطيع قادة الأحزاب الشيوعية انتقاد الأفكار الحقيقية للأممية الرابعة ويضطرون إلى اللجوء إلى التزييف والتشويه الذي يتم تصديره من موسكو بكميات غير محدودة. لا يوجد شيء "وطني" في سلوك الستالينيين المكسيكيين. إنهم يترجمون فقط إلى الإسبانية سياسات ستالين وأوامر الغيبو"[17].

وثق تروتسكي الفساد المنهجي في فروع الكومنترن الذي رعتها الغيبو. حلت الرشاوى، المدعومة بالتهديدات، محل الجدل السياسي كوسيلة لضمان تنفيذ السياسات التي يريدها الكرملين.

أدى اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى تعزيز خوف ستالين من تروتسكي. فعلى الرغم من أمل ستالين اليائس في أن يلتزم هتلر بميثاق عدم الاعتداء والامتناع عن غزو الاتحاد السوفيتي ، فقد أدرك بالتأكيد أنه على الرغم من كل التنازلات التي قدمها لهتلر، فإن خطر الغزو الألماني كان حقيقيًا للغاية  .وإذا حدث ذلك  ووقع، فإن العواقب الكارثية لسياسات ستالين ، التي تضمنت حملة تطهير دموية في الجيش في 1937-1938 شملت الإبادة الجسدية للجنرالات الأكثر خبرة وقدرة في الجيش الأحمر وحوالي ثلاثة أرباع ضباطه، وأن ذلك من شأنه أن يترك النظام فاقدًا للمصداقية بشكل كامل. كانت الهزائم التي عانت منها الجيوش القيصرية خلال الحرب العالمية الأولى عاملاً رئيسياً في اندلاع الثورة الروسية قبل أكثر من عشرين عامًا بقليل. تم طرد القيصر، الذي تولى القيادة العليا للجيش، من السلطة. ألم يكن هناك إذن احتمال أن تؤدي حرب جديدة إلى انتفاضة داخل الاتحاد السوفييتي، خاصة إذا أعقب اندلاع الحرب هزائم بسبب عدم كفاءة النظام؟ كان ستالين على دراية بالمقال الذي كتبه الكاتب الشهير والثوري فيكتور سيرج عام 1937. كتب سيرج أنه بالرغم من كل الاضطهادات، فإن الشعب السوفيتي لم ينس "الرجل العجوز" ، وهذا هو اللقب الودي الذي استخدمه العديد من أنصار تروتسكي. 

ما دام الرجل العجوز حياً، لن يكون هناك أمان للبيروقراطية المنتصرة. بقي عقل واحد من ثورة أكتوبر، هو عقل القائد الحقيقي. ومع الصدمة الأولى ستتجه الجماهير نحوه. وفي الشهر الثالث من الحرب، لما تبدأ الصعوبات ، لا شيء يمنع الأمة بأكملها من التحول باتجاه "منظم النصر"[18]. 

كان هناك سبب آخر لسعي ستالين لقتل تروتسكي. عرف دكتاتور الكرملين أن تروتسكي كان يعمل بجد على سيرة حياة ستالين. كان أحد أهداف غارة 24 مايو تدمير أرشيف تروتسكي. افترض ستالين بالتأكيد أن أوراق تروتسكي تضمنت مخطوطة السيرة الذاتية التي فشلت غارة 24 مايو في تحديد مكانها وتدميرها. وكانت الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها منع استكمال السيرة الذاتية هي قتل مؤلفها. خشي ستالين من عواقب كشف تروتسكي لخلفيته، ورداءته السياسية، ودوره الصغير في تاريخ الحزب البلشفي قبل عام 1917 وأثناء الثورة، وعدم كفاءته خلال الحرب الأهلية، وقبل كل شيء عدم الولاء و الخيانة التي دفعت لينين إلى الاستنتاج في أوائل عام 1923 أنه كان لا بد من عزل ستالين من منصبه كسكرتير عام. كان تصميم ستالين على وقف إكمال ونشر السيرة الذاتية بالتأكيد عاملاً رئيسياً في قصرالفترة الزمنية،  التي لم إلى ثلاثة أشهر، التي انقضت بين الهجوم الفاشل في 24 مايو والاغتيال الذي نفذه رامون ميركادر في 20 أغسطس ، 1940.

منع الاغتيال، في الواقع، استكمال السيرة الذاتية. لكن تروتسكي ترك وراءه مخطوطة كبيرة قدمت نظرة ثاقبة غير عادية لشخصية ستالين وتطوره السياسي. لم يتم نشر السيرةالتي كتبها تروتسكي إلا في عام 1946 ؛ لكن هذه النسخة كانت منظمة بشكل غير كفء، حيث تم مزج الفصول المكتملة مع أجزاء من الملاحظات والمقاطع التي لم يدمجها تروتسكي بشكل واضح في سرد ​​السيرة الذاتية. كان المترجم تشارلز مالاموث غير كفء. ففي وقت مبكر من عام 1939 ،و بناءً على ما رآه من جهود مالاموث الأولية لترجمة أجزاء من المخطوطة، اشتكى تروتسكي: "يبدو أن مالاموت يتمتع بثلاث صفات على الأقل: إنه لا يعرف اللغة الروسية؛ لا يعرف اللغة الإنجليزية. وهو مدع للغاية "[19].

بل أن الأسوأ من ذلك،  أن مالاموت ىتصرف، بعد الاغتيال، بحرية غير عادية بنص تروتسكي ، حيث أدخل بشكل تعسفي كلماته وعباراته الخاصة، وفرض عمدًا على السيرة الذاتية آراء تتعارض بشكل مباشر مع آراء المؤلف. امتدت استطرادات مالاموث كثيرًا لعدة صفحات، مما أدى إلى إضعاف وتشويه السرد كما كتبه تروتسكي. كانت هذه هي النسخة الوحيدة من السيرة الذاتية التي تمكن عامة الناس من الوصول إليها لما يقارب من 70 عامًا. وفي عام 2016 ، تم نشر نسخة جديدة من السيرة الذاتية، مع اتباع نهج أكثر وعياً في ترجمة وتنظيم المخطوطة وضمالأجزاء التي لم يتم تضمينها من قبل[20].

في المجلد الأخير من ثلاثية تروتسكي، كتب إسحاق دويتشر أن سيرة ستالين - حتى لو عاش المؤلف لإكمالها- "كانت ستظل على الأرجح أضعف أعماله". هذا النقد، الذي نشأ عن اعتراضات دويتشر السياسية على تقييم تروتسكي القاطع للستالينية على أنها معادية للثورة، خاطئ تمامًا. فعلى الرغم من حقيقة أن السيرة الذاتية تُركت غير مكتملة، سواء من حيث محتواها أو نتيجةغياب الواضح لعملية التحرير النهائية التي كانت ستمكن الكاتب العظيم من إضفاءفنه الكامل على المخطوطة، فإن الكتاب المعنون  "ستالين" الذي كتبه تروتسكي هو تحفة فنية. كٌتب عدد لا يحصى من السير الذاتية لستالين، بما في ذلك واحدة من قبل دويتشر قدمت ستالين كعملاق سياسي. لكن لا يقترب أي من هذه الأعمال من السيرة التي كتبها تروتسكي من حيث العمق السياسي والبصيرة النفسية واللمعان الأدبي.

فالسيرة التي كتبها تروتسكي مستوحاة من معرفة لا نظير لها بالبيئة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تطورت فيها الحركة العمالية الثورية في جميع أنحاء الإمبراطورية الروسية الشاسعة. إن استحضار تروتسكي لشخصية ستالين ليس  رسماً كاريكاتيرياً لأن شخصية دجوغاشفيلي-ستالين تشكلت ، كما أوضح تروتسكي، من خلال الظروف المتخلفة لتربيته الأسرية والبيئة الثقافية والسياسية التي انطلقت فيها أنشطته السياسية المبكرة.

ليس هذا هو المكان المناسب لمراجعة شاملة ومفصلة لهذا العمل الاستثنائي. لكن العنصر الحاسم الوحيد في السيرة الذاتية الذي يجب الانتباه إليه هو انشغال تروتسكي بالظروف الموضوعية والعمليات الذاتية الانعكاسية ، التي جعلت من الممكن صعود ستالين إلى السلطة العليا حيث لفت تروتسكي الانتباه مراراً وتكراراً إلى التغيير في الثقافة الاجتماعية للحزب البلشفي في أعقاب الحرب الأهلية.  فالحزب الذي قاد الثورةقدم مثالًا بطوليًا "بهذا القدر من التضامن ، والانبعاث المثالي ، و التفاني ونكران الذات" بحيث لا يمكن مقارنته بأي حركة أخرى في التاريخ. [21]

كان هناك داخل الحزب البلشفي نقاشات داخلية، وصراعات، باختصار، كل تلك الأشياء التي هي جزء طبيعي من الوجود الإنساني. أما أعضاء اللجنة المركزية، فهم أيضًا كانوا بشراً ، لكن حقبة خاصة رفعتهم ليتجاوزا أنفسهم. و بدون إضفاء مثالية على أي شيء، ودون إغماض عين المرء عن نقاط الضعف البشرية، يمكننا مع ذلك أن نقول أنه في تلك السنوات، كان الهواء الذي يتنفسه المرء في الحزب مثل هواء قمم الجبال[22].

لكن الجو تغير في أعقاب الحرب الأهلية  مع تدفق عناصر جديدة غير مختبرة وغريبة اجتماعيًا على الحزب. كانت هناك جهود عرضية لحماية الحزب من تدفق الطامعين والوصوليين. لكن الظروف الموضوعية تحركت في اتجاه غير موات.

بعد الحرب الأهلية، ولا سيما بعد هزيمة الثورة في ألمانيا، لم يعد البلاشفة يشعرون بأنهم محاربون يتقدمون. وفي الوقت ذاتهه ، انتقل الحزب من المرحلة الثورية إلى فترة الاستقرار. لم يٌغقد سوى عدد قليل من الزيجات خلال سنوات الحرب الأهلية. أما مع نهايتها فقد أنجب الأزواج أطفالاً. و بدأت مسألة الشقق والمفروشات والأسرة تكتسب أهمية متزايدة. كما تم استبدال روابط التضامن الثوري التي تغلبت على الصعوبات بشكل عام إلى حد كبير بروابط بيروقراطية ومادية. ففي السابق، كان من الممكن الفوز بالمثل الثورية وحدها، أما الآن، بدأ الكثير من الناس بكسب مناصب وامتيازات مادية. [23]

لم يكن تروتسكي يدافع عن زهد دائم وغير قابل للتحقيق بعيدًا عن كل الاهتمامات الشخصية والمادية. فهو بالذات كان لديه أربعة أطفال. وفي الواقع هو كان يشرح كيف تطورت البيئة الاجتماعية المحافظة تدريجياً داخل الحزب وتفاعلت مع العمليات الاجتماعية والاقتصادية بعيدة المدى داخل البلد، المرتبطة بإحياء السوق الرأسمالية عبرالسياسة الاقتصادية الجديدة .  أدت الأهمية المتجددة للمشاريع الخاصة في الريف إلى قبول مفاجئ بل وتشجيع عدم المساواة الاجتماعية.  و تعرض تأكيد تروتسكي وأنصاره في المعارضة اليسارية على المساواة للهجوم.  و تكيف ستالين مع هذا المزاج واستغله. "أعلنت البيروقراطية المساواة بوصفها تحيز برجوازي صغير".و ترافق العداء تجاه المساواة مع تزايد العداء لمنظور الثورة الدائمة:

تم دعم نظرية "الاشتراكية في بلد واحد" في تلك الفترة من قبل كتلة البيروقراطية مع البرجوازية الصغيرة الزراعية والمدنية. إن  النضال ضد المساواة ربط البيروقراطية بقوة أكثر من أي وقت مضى ، ليس فقط بالبوجوازية الصغيرة الزراعية والحضرية ، ولكن أيضا بالأرستقراطية العمالية. وأصبحت اللامساواة هي الأساس الاجتماعي المشترك، ومصدر وسبب وجود هؤلاء الحلفاء. وهكذا وحدت الروابط الاقتصادية والسياسية البيروقراطية والبرجوازية الصغيرة من عام 1923 إلى عام 1928. [24]

ارتبط صعود ستالين إلى السلطة بتبلور الجهاز البيروقراطي وإدراكه المتزايد لمصالحه الخاصة. "ففي هذا الصدد، مثل ستالين ظاهرة استثنائية تمامًا. فهو ليس مفكرًا ولا كاتبًا ولا خطيبًا. وقد تولى السلطة قبل أن تتعلم الجماهير تمييز شخصيته عن الآخرين في المسيرات الاحتفالية في الساحة الحمراء. إن ستالين وصل إلى السلطة ليس بفضل الصفات الشخصية ، ولكن بفضل جهاز غير شخصي. ولم يكن هو من صنع الجهاز، بل الجهاز هو الذي خلقه "[25].

لقد حطم تروتسكي "أسطورة ستالين" من خلال الكشف عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والطبقية التي نشأت عنها. وكتب تروتسكي أن هذه الأسطورة "خالية من أي صفات فنية. إنها قادرة فقط على إذهال الخيال من خلال الاكتساح الهائل للوقاحة التي تتوافق تمامًا مع شخصية الطبقة الجشعة من المبتدئين، الذين يرغبون في التعجيل باليوم الذي يصبحون فيه أسياداً في المنزل "[26]. 

إن وصف تروتسكي لعلاقة ستالين بمحيطه الفاسد تذكر ببصقة جوفينال الساخرة:

جعل كاليجولا حصانه المفضل سيناتورًا. ستالين ليس لديه حصان مفضل، وحتى الآن لا يوجد نائباً من الخيول يجلس في مجلس السوفيات الأعلى. ومع ذلك، فإن أعضاء مجلس السوفيات الأعلى لديهم تأثير ضئيل على مسار الشؤون في الاتحاد السوفيتي مثل حصان كاليجولا، و أقل حتى من تأثير أعضاء مجلس الشيوخ على شؤون روما. وقف الحرس الإمبراطوري فوق الشعب وبمعنى ما فوق الدولة. كان يجب أن يكون ثمة إمبراطور كحكم نهائي. البيروقراطية الستالينية هي النظير الحديث للحرس الإمبراطوري مع ستالين كقائد أعلى لها. إن قوة ستالين هي شكل حديث من أشكال القيصرية. إنها ملكية بلا تاج ، وحتى الآن، من دون ولي عهد[27].

في عالم السياسة، كان تروتسكي أعظم عقل في عصره. لقد شكل تهديدًا لا يطاق للنظام الستاليني، الذي عمل في التحليل النهائي كوكالة للإمبريالية العالميةالتي لا يمكن أن تسمح له بالعيش. لقد فهم تروتسكي جيدًا القوى المحتشدة ضده: "يمكنني إذن أن أقول إنني أعيش على هذه الأرض ليس وفقًا للقاعدة، ولكن كاستثناء للقاعدة".[28] ولكن حتى في مواجهة هذا الخطر الشديد، حافظ تروتسكي على درجة غير عادية من الموضوعية الشخصية:

في عصر رجعي مثل عصرنا، يضطر الثوري إلى السباحة عكس التيار. أنا أفعل هذا بأفضل ما لدي من قدرة. لقد عبرت ضغوط رد الفعل العالمي عن نفسها على الأرجح في تحديد مصيري الشخصي ومصير المقربين مني. لا أرى في هذا على الإطلاق أي ميزة لي: هذا نتيجة تشابك الظروف التاريخية[29]. 

To be continued.

[1] Writings of Leon Trotsky 1939-40, p. 233

[2] Ibid, pp. 233-34

[3] Ibid, p. 235

[4] The author of this essay engaged in numerous discussions with Harold Robins (1908-1987) during our collaboration in the 1970s and 1980s on the International Committee’s investigation into the assassination of Trotsky.

[5] Writings of Leon Trotsky 1939-40, p. 247

[6] Ibid, p. 248

[7] Ibid, p. 247

[8] Patenaude, Bertrand M., Trotsky: Downfall of a Revolutionary (HarperCollins e-books. Kindle Edition), p. 256

[9] “Healy’s Big Lie,” in Education for Socialists, December 1976, p. 36

[10] Writings of Leon Trotsky 1939-40, pp. 363-64

[11] Barry Carr, “Crisis in Mexican Communism: The Extraordinary Congress of the Mexican Communist Party, Science & Society, Spring, 1987, Vol. 51, No. 1, p. 50

[12] Ibid, p. 51

[13] Ibid, p. 54

[14] Writings of Leon Trotsky 1939-40, p. 352

[15] Stalin: Triumph & Tragedy, translated by Harold Shukman (New York, 1988), pp. 254-256.

[16] Writings of Leon Trotsky 1939-40, p, 350

[17] Ibid, p. 351

[18] From Lenin to Stalin (New York, 1937), p. 104

[19] Writings of Leon Trotsky: Supplement 1934-40 (New York, 1979), p. 830

[20] The translator and editor of this new edition is Alan Woods. Though he is associated with a left-wing political tendency with which the International Committee has well-known and fundamental political differences, Woods’ efforts in producing this edition of Trotsky’s Stalin deserve appreciative recognition and commendation.

[21] Leon Trotsky, Stalin, edited and translated by Alan Woods (London, 2016), p. 545

[22] Ibid

[23] Ibid

[24] Ibid, p. 565

[25] Ibid, p. 676

[26] Ibid, p. 672

[27] Ibid

[28] Writings of Leon Trotsky 1939-40, p. 250

[29] Ibid