إعادة إطلاق الموقع للإشتراكية العالمية و مستقبل الاشتراكية

By ديفيد نورث
٢٨ تشرين الأول أكتوبر ٢٠٢٠

تم تسليم هذا التقرير من قبل ديفيد نورث لافتتاح التجمع، ترحيباً بإعادة إطلاق الموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية (World Socialist Web Site/WSWS) الذي عقد يوم الأحد، 25 أكتوبر. نورث هو رئيس هيئة التحرير الدولية للموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية والرئيس الوطني لحزب المساواة الاشتراكية (الولايات المتحدة).

***

بالنيابة عن اللجنة الدولية للأممية الرابعة، أود أن أرحب بالقراء ومؤيدي الموقع الالكتروني للاشتراكية العالمية الذين يشاركون في هذا التجمع الدولي على الإنترنت للاحتفال بإعادة إطلاق WSWS.

اشتمل مشروع إعادة الإطلاق، الذي امتد لأكثر من عام، على عمل تقني وفني وسياسي ونظري مكثف. لقد مضى الآن ما يزيد قليلاً عن ثلاثة أسابيع منذ إطلاق الإصدار الجديد من الموقع على الإنترنت في 2 أكتوبر 2020. ومنذ ذلك التاريخ، كان هناك ما يقرب من 2,300,000 زيارة للموقع وأكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة للصفحة. إن هيئة التحرير، بالطبع، مسرورة بالرد على الموقع المعاد إطلاقه. لكننا ندرك أن التوسع السريع في عدد القراء للموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية لا يبرر الرضا الذاتي. إن اللجنة الدولية للأممية الرابعة مضطرة لفحص هذه الاستجابة بشكل نقدي، أي لتحديد العمليات الموضوعية التي تجد تعبيراً عنها في النمو الكبير في التداول اليومي لـ WSWS.

ديفيد نورث

تعكس الاستجابة لـ WSWS عملية تطرف سياسي جماهيري في ظل ظروف أكبر أزمة منذ الثلاثينيات. لقد كشف الوباء عن الإفلاس الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي للنظام الرأسمالي العالمي. لقي أكثر من مليون شخص مصرعهم بسبب فيروس كوفيد-19. داخل الولايات المتحدة وحدها، يقترب عدد القتلى من ربع مليون. من المحتوم أنه بحلول نهاية العام، سيكون عدد الأمريكيين الذين ماتوا نتيجة الإصابة أكثر من ثلاثمائة ألف. ولكن حتى مع تفشي الوباء خارج السيطرة في كثير من أنحاء العالم، فالانهماك المركزي للحكومات الرأسمالية ليس احتواء الفيروس بل حماية الأرباح. هذه الأولوية الإجرامية تكمن وراء تبني استراتيجية "مناعة القطيع" القاتلة، التساهل بل والتشجيع الفعال لانتشار العدوى بغض النظر عن الخسائر في حياة الإنسان.

إن الوباء، كما أوضح الموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية منذ بداية تفشي المرض، هو "حدثٌ مُحث" أدى، مثل اندلاع الحرب العالمية الأولى، إلى تكثيف كبير ووصول إلى نقطة الانفجار جميع تناقضات النظام الرأسمالي. إن الطبقتين العظيمتين في المجتمع—الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة—مدفوعتان إلى صراع مباشر ووحشي أكثر من أي وقت مضى حيث تسعى كل من هاتين القوتين إلى حل التناقضات من أجل مصالحها الخاصة. إن الأساليب والسياسات التي تسعى النخب الرأسمالية من خلالها للتغلب على الأزمة هي قمع الديمقراطية والفاشية والحرب، وكلها موجهة نحو أقصى قدر من الاستغلال والتشتت والإفقار لجماهير العمال. ردا على ذلك، تضطر الطبقة العاملة للدخول في طريق النضال الثوري.

وهذا هو السياق السياسي والتاريخي الذي تم من خلاله إعادة إطلاق الموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية. ولكن الاعتراف بالعملية التاريخية الموضوعية التي يُعَد تطوير WSWS تعبيراً عنها لا يعني أن إعادة إطلاق WSWS ، ناهيك عن التأسيس الأولي للموقع منذ ما يقرب من 23 عاماً، كانت النتيجة التلقائية لقوى تاريخية عمياء.

إن الموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية هو نتاج جهد واعٍ لكادر اللجنة الدولية للأممية الرابعة لحل أزمة القيادة الثورية. تم إطلاق WSWS لأول مرة في فبراير 1998. مرت ست سنوات فقط منذ تفكك الاتحاد السوفيتي. ففي نظر المجموعات التي لا تعد ولا تحصى من التحريفية المناهضة للماركسية والبرجوازية الصغيرة اليسارية، قوبل انهيار النظام البيروقراطي، فضلاً عن عجز البيروقراطيات العمالية والنقابية في مختلف أنحاء العالم، بنوبة من اليأس. فقد وصل "منتصف الليل في القرن".

تم تقييم الوضع السياسي والتاريخي بطريقة مختلفة تماماً من قبل اللجنة الدولية، والتي لم تتفاجأ أو تثبط عزيمتها على الاطلاق من تحقيق توقع تروتسكي بأن المنظمات البيروقراطية القديمة والرجعية "لن يترك حجر منها على الآخر". على الرغم من انهيار الستالينية وتعفن التنظيمات النقابية والإصلاحية الوطنية القديمة، ظل النظام الرأسمالي يعاني من تناقضاته التي لا يمكن حلها. كانت المهمة التي واجهت الأممية الرابعة هي التحضير للمرحلة التالية من أزمة الرأسمالية وتجديد الحركة الثورية للطبقة العاملة.

هذا المنظور التاريخي لم يقلل من شأن الصعوبات الهائلة التي يجب التغلب عليها. لقد أدركت الحركة التروتسكية ولم تقلل من الضرر الهائل الذي لحق بالوعي السياسي وثقة الذات لدى الطبقة العاملة الدولية بسبب عقود من الجرائم والخيانات التي ارتكبتها الستالينية، والديمقراطية الاجتماعية، والماوية، والنقابات العمّالية المؤيدة للشركات. وعلاوة على ذلك، كان من الحقائق التي لا يمكن إنكارها أن هذه الجرائم والخيانات قد قوضت إلى حد كبير فكرة الاشتراكية بين قطاعات واسعة من الطبقة العاملة، بل فقدت مصداقيتها. سوف يستغرق الأمر وقتاً، وضغط الأحداث الموضوعية، وظهور جيل جديد حتى تلتئم جراح الماضي.

لكن في هذه العملية، أقرت اللجنة الدولية بدورها الحاسم الخاص. في عام 1993، خلال لقائي الأول في كييف مع المؤرخ الروسي السوفييتي العظيم فاديم روغوفين—الذي كان يعمل آنذاك على المجلد الأول من تاريخه عن نضال المعارضة اليسارية بقيادة تروتسكي ضد البيروقراطية الستالينية—سألني كيف يمكن تحقيق تجديد الحركة الاشتراكية؟ ذكرت أن اللجنة الدولية عازمة على ربط النضال من أجل برنامج التروتسكية بإعادة بناء نظرة اشتراكية عالمية وثقافة حقيقية داخل الطبقة العاملة. "هذا طموح نبيل للغاية" أجاب فاديم، وأظهر دعمه لهذا المنظور من خلال استكمال سبعة مجلدات من عمله التاريخي العظيم، هل كان هناك بديل؟ عاش فاديم، الذي كرس مجلده الأخير للجنة الدولية، ليرى إطلاق الموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية قبل وفاته بمرض السرطان في خريف عام 1998.

ومنذ إطلاق الموقع، كان هناك أكثر من 8000 إصدار يومي من WSWS. تم نشره في البداية خمسة أيام في الأسبوع وانتقل بسرعة إلى حد ما إلى النشر ستة أيام في الأسبوع. لم يتم تفويت أي تاريخ نشر مجدول. ولا يمكن تحقيق هذه المثابرة إلا عندما يسترشد المنشور بمنظور متجذر في النظرية الماركسية والاستيعاب الواعي للتجربة التاريخية الواسعة التي خاضتها المنظمة الدولية الرابعة في النضال الثوري.

في تموز/يوليو 1998، بعد أقل من نصف عام على إطلاق الموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية، تم تحديد الأسس والدوافع السياسية والفكرية لعمله على النحو التالي:

1. إصرار اللجنة الدولية للأممية الرابعة على أولوية الأممية كأساس للاستراتيجية السياسية والتنظيم التكتيكي للطبقة العاملة.

2. الطابع الصلب للنضال الذي خاضته اللجنة الدولية للأممية الرابعة ضد هيمنة بيروقراطيات العمل الرجعية على الطبقة العاملة.

3. التأكيد على إحياء الثقافة السياسية الاشتراكية الحقيقية داخل الطبقة العاملة بوصفها فرضية فكرية، ويمكن أن نقول "روحية" أساسية لحركة ثورية عالمية جديدة.

4. النضال ضد العفوية والقدرية السياسية فيما يتعلق بتطور أزمة الرأسمالية والصراع الطبقي والثورة الاشتراكية.  [1]

يشهد استمرار ونمو الموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية على صحة هذه المبادئ التأسيسية والنظرة المادية الماركسية للعالم والبرنامج السياسي التروتسكي الذي تقوم عليه.

ولكن حتى النظريات والبرنامج الثوري الأكثر تقدما لا يمكن تحقيقها ما لم يتم النضال من أجلها. لا يمكن للبرنامج الماركسي والمستوى العالي من الوعي السياسي المطلوبين لظهور حركة اشتراكية جماهيرية أن يتطورو ن بشكل عفوي داخل الطبقة العاملة. يتطلب تطور حركة الطبقة العاملة الثورية، المتأثرة بعمق بالنظرة والثقافة الاشتراكية للعالم، نشاطاً دؤوباً ومثابراً للكادر الماركسي.

فبعد ما يقرب من ثلاثة وعشرين عاماً من النشر المتواصل بلا انقطاع للموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية، أصبح حقا من الممكن وصف عمل كادر اللجنة الدولية للأممية الرابعة بأنه "مستمر" و"لا يلين". تطلب نشر WSWS خلال هذين العقدين من النشر التعاون اليومي للكادر الذي يعيش في قارات مختلفة.

تتكون هيئة عمل WSWS من مجموعة واسعة من الخبرات السياسية. بعض الكتاب المنتظمين في الموقع—الرفاق مثل باري غراي، باتريك مارتن، نيك بيمز، ويجي دياس، كريس مارسدن، بيتر شوارتز، أولريتش ريبيرت، ديفيد وولش، لاري بورتر وفريد مازيليس—انخرطوا في العمل الثوري لعدة عقود، حتى لمدة نصف قرن وأطول. المزيد من الكتاب، وعددهم يتزايد بسرعة، هم مجندون جدد في أقسام اللجنة الدولية للأممية الرابعة. وهناك رفاق يساهمون بانتظام في WSWS، ويعملون بجد لإنشاء أقسام جديدة من اللجنة الدولية في البلدان والمناطق التي يتواجدون فيها.

لا يعيش موقع ويب بالكتّاب وحدهم. ويتلقى هذا الموقع الدعم من كادر دولي يحضر الصيانة الفنية للموقع، ويراجع المقالات، ثم ينشرها على الموقع. وفي ظل الظروف التي يجب على WSWS أن يخوض معركة يومية ضد رقباء الشركات، يتدخل كوادر الحزب في جميع أنحاء العالم في عدد لا يحصى من منصات التواصل الاجتماعي لجذب انتباه الجمهور العالمي إلى منشورات الموقع. وهذا العمل يتعزز بشكل لا يقاس بفضل الجهود التي يبذلها عدد لا يحصى من القراء المخلصين ومؤيدي الموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية.

وبطبيعة الحال، لا يمكن الاستمرار في نشر WSWS بدون الموارد المالية التي يوفرها القراء والداعمون المخلصون.

كتب تيرينس، الكاتب المسرحي العظيم في العالم القديم: "أنا إنسان. ولا أعتقد أن أي شيئٌ بشريٌ غريب عليّ". ويتم التعبير عن هذه النظرة العالمية في محتوى WSWS.  يشمل نطاق تغطيته مجموعة واسعة من الموضوعات والأحداث والتجارب. موجه WSWS أولا وقبل كل شيء إلى الطبقة العاملة. طالما ظلت الطبقة العاملة تحت هيمنة الرأسمالية، يجب أن يكون التركيز المركزي لـ WSWS على تزويد الطبقة العاملة بالتغطية التفصيلية والتحليل للأحداث السياسية والنضالات الاجتماعية.

يجب أن تُعلِم العمال أن يدركوا الفرق بين البرنامج الثوري الحقيقي والبرامج المزيفة التي ينتجها العملاء السياسيون للطبقة الحاكمة. يجب على WSWS أن يرفع باستمرار الوعي التاريخي للطبقة العاملة، وهو أمر ضروري للتوجيه الصحيح والاستجابة للأحداث المعاصرة. إن الحركة التروتسكية لا تتسامح مع تزييف وتشويه الانتصارات التاريخية للماضي، والتي تم دفع ثمنها بالدم، سواء كانت تلك التي شهدتها ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا أو الثورتين البرجوازية-الديموقراطية العظيمتين اللتين خوضت في ساحات معارك الجمهورية الأمريكية الجديدة.

إلى أقصى حد ممكن، يسعى WSWS جاهد لرفع المعرفة العلمية والوعي الثقافي للطبقة العاملة. لا يوجد جانب من جوانب الثقافة يقع خارج نطاق سلطة الطبقة العاملة.  يتم إثراء الوعي الطبقي وجعله أكثر حدة من خلال المشاركة الفكرية والتعاطف مع أوسع نطاق من التجارب البشرية.

هدف WSWS هو رفع وعي الطبقة العاملة الدولية إلى المستوى المطلوب لتوحيدها والتنسيق العالمي لنضالها لتنفيذ الثورة الاشتراكية العالمية وتحقيق تحرير الإنسانية—بجميع الأعراق والقوميات والأديان والخلفيات العرقية—من جميع أشكال الاضطهاد.

سنستمع اليوم إلى متحدثين لعبوا دوراً حاسماً في عمل الموقع الإلكتروني للإشتراكية العالمية. قائمة المتحدثين محدودة بالضرورة بالوقت. لذلك، فإنهم يتحدثون كممثلين لجهد جماعي واسع.

وأود بذلك أن أقدم المتحدث الأول.

[1] ديفيد نورث ، تقرير إلى الدورة الافتتاحية للجلسة الثامنة عشرة للجنة الدولية للأممية الرابعة، 20 يوليو/تموز 1998.