الطبقة العاملة، الاشتراكية، والنضال ضد الجائجة

By دافيد نورث
٢٥ نيسان أبريل ٢٠٢٠

ُشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية في 1 أبريل 2020

في البرنامج الانتقالي، وهو الوثيقة التأسيسية للأممية الرابعة، وصف ليون تروتسكي إضرابات القعود عن العمل التي ظهرت في الولايات المتحدة عامي 1936 و 1937، وسط الكساد الكبير، بوصفها تعبيراً عن "سعي العمال الأمريكيين الغريزي للارتقاء بأنفسهم إلى مستوى المهام التي فرضها عليهم التاريخ".

إن هذه الرؤية لاستراتيجي الاشتراكية الأممية العظيم في القرن العشرين تطرح إطار تاريخي الأسس لفهم أهمية بروز الإضرابات العشوائية والاحتجاجات في شركات إنستاكارت، وأمازون، وعمال شركة الغذاء الكامل. كما تم نشر تقارير حول احتجاجات عمال شركة جنرال إليكتريك في ماساشوسيت وعمال بردو في كنتكي والممرضات في سان فرانسيسكو. إن كل هذه الأفعال كانت رداً على إخضاع سلامة العمال الإجرامي لمصلحة أرباح الشركات.

إن من سمات كل أزمة كبيرة تعرية التناقضات التي تراكمت و قٌمعت على مدى عقود. وكل ما صار من الماضي وعفا عليه الزمن، وفاسد، وهو بالقدر الأكبر من الموضوعية، سخيف بل وغير عقلاني في التنظيم الاقتصادي، والثقافة الاجتماعية، والقيادة السياسية والإيديولوجيا المهيمنة في المجتمع القائم تم فضحه بشكل شرس وكامل.

إن ما سبق تمجيده صار فجأة محتقراً. والأبطال الذين مٌدحت إنجازاتهم صاروا موضع ازدراء عام. كما أن مشهد أولئك الذين يمثلون المؤسسة الحاكمة أو يٌعتبرون مدافعين عنها، صار يولد بين صفوف الشعب شعوراً بالسخط والغضب والازدراء.

والجائحة هي أزمة من هذا النوع. فخلال عدة أسابيع فقط، أسقطت في أعين الملايين مصداقية النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي القائم. فالولايات المتحدة وهي أغنى بلاد العالم بشكل لا يقاس، وصاحبة أضخم البنوك والشركات، والتي تضم أكبر عدد من المليارديريات، فقد أثبتت أنها غير قادرة على تنظيم أي شيء يشبه استجابة فعالة للوباء.

لا يوجد أي خطة لإبطاء وإيقاف انتشار فايروس كورونا المستجد. وقد شهد العقدين المنصرمين صدور العديد من الدراسات الطبية والتقارير الحكومية حول خطر انتشار وباء قاتل. وقد تم التقليل من شأن هذه التحذيرات وتجاهلها. فبالنسبة لنظام اقتصادي وسياسي كان هدفه الأول هو إثراء الأوليغارشية الطفيلية، نٌظر إلى تخصيص موارد مالية لميادين بحث وإنتاج لا تولد مستويات عالية من الأرباح على أنها مضيعة للوقت والمال.

ونحن نرى اليوم نتيجة السياسة الاجتماعية الرجعية من خلال انتشار الموت مع انتشار الوباء في نيويورك، وبوسطن، وديترويت، وشيكاغو ونيو أورليانز، ولوس أنجلس. ومن غير المتوقع نجاة أي ولاية أو أي مدينة كبرى. إن المناطق الريفية التي لن تنجو من الجائحة تفتقر في كثير من الحالات إلى المرافق الأكثر بدائية للتعامل مع حالات عدوى واسعة.

إن الولايات المتحدة التي تنفق مئات المليارات على أنظمة التسلح الأكثر تطوراً في حروبها المتعددة في هذه المنطقة أو تلك من العالم، لا تستطيع تزويد مستشفياتها منافس أو تزويد العاملين في الرعاية الصحية بالأقنعة وغيرها من تجهيزات الوقاية. كما أن الاختبارات المطلوبة لكشف الفايروس ومكافحته غير متاحة. وهناك عدد لا يحصى من آلاف البشر ممن يشكون من عوارض مرتبطة بفايروس كورونا غير قادرين على التأكد من إصابتهم بالعدوى أو عدمها.

كما أن الأطباء، والممرضات وكل أولئك اللذين يقدمون وسائل الدعم الأساسية للمرضى يعملون من 15 إلى 18 ساعة في اليوم ومعرضون هم بدورهم دائماً لخطر التقالط العدوى. ولا يوجد العدد المطلوب من أسرة المشافي للمرضى المحتاجين بشكل ملح إلى العلاج. كما تم تجاوز قدرة استيعاب الغرف المخصصة لحفظ الجثث، ويٌحرم حتى الموتى من الاحترام الذي يستحقونه.

لقد فضحت الأزمة المصالح المتناقضة غير القابلة للتوفيق في ما بينها التي صارت جزء لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي لا يوجد كذبة أكبر من أننا ( العمال والرأسماليون) في قارب واحد. إننا لسنا معاّ!

تعيشان هذه الأزمة حيث أن نخبة المال- الشركات الحاكمة والطبقة العاملة تعيشان هذه الأزمة بطرق مختلفة إلى حد بعيد ، كما أن اهتماماتهما وأولوياتهما تنتميان إلى عالمين متباعدين.

فمنذ البداية، كان الاهتمام الرئيس لنخبة المال- الشركات وخدمها السياسي في الحزبين الديمقراطي والجمهوري هو حماية ثرواتها، وحماية نظام الربح الرأسمالي الذي تستند إليه، من التداعيات الاقتصادية للجائحة. ولم يكن معدل الإصابات وتصاعد الوفيات هي التي دفعت إدارة ترامب والكونغرس إلى العمل، بل الانهيار الواسع والمفاجىء في قيمة أسهم وول ستريت.

وكما كان عليه الحال في 2008، وإن كان الآن على نطاق أوسع، فقد طالبت الطبقة الحاكمة بضخ فوري لتريليونات الدولارات في الأسواق المالية وإلى خزائن الشركات. إن عبارة " النقود غير متوفرة" التي كانت تستخدم لرفض رفع رواتب العمال ولتبرير تخفيضات الإنفاق الضخمة للخدمات الاجتماعية الأساسية لم تعد تٌسمَع في صالات الكونغرس. صوّت الكونغرس على وضع أموال غير محدودة تحت تصرف البنوك والشركات، دون أي قيود هامة ولا مراقبة لاستخدام الأموال. والأهم على الإطلاق، فاتورة الستة تريليون دولار، وهذه ثاني عملية إنقاذ بهذا الحجم خلال ما يتجاوز بقليل عقد من السنين، التي اعتٌمدت دون أي حد أدنى من المساس بالملكية والثروة الرأسمالية. أما في ما يخص الأغلبية الساحقة من الشعب، فإن قيمة المال المخصص لاحتياجاته لا تعادل جزءاً بسيطاً من حزمة الإنقاذ التي أقرها الكونغرس.

تنهدت الطبقة الحاكمة تنهيدة ارتياح. فما أن تم التصويت على الفاتورة، حتى استأنف كازينو وول ستريت عملياته وارتفعت قيمة الأسهم، خلال أيام، بنسبة 20%. إنما التيرليونات التي أقرها كونغرس الحزبين، في استعراض للوحدة شارك فيه السيناتور برني ساندرز وفق الأصول، شددت من الأزمة الاقتصادية الكامنة التي ولدتها عقود من الطفيلية الرأسمالية المترافقة بصيرورة إضفاء سمة مالية على الاقتصاد وهذا يعني عملية فصل غير مسبوقة في حجمها بين خلق المال وعملية الإنتاج الفعلية. صحيح أن الاقتصاديين الرأسماليين ينكرون بحماس نظرية قيمة العمل الماركسية، إنما لا يمكن لأي نظام رأسمالي الاستمرار بدون قوة عمل الطبقة العاملة. وكما لاحظ ماركس بإيجاز" كل طفل يعرف أن الأمة التي تكف عن العمل، ولن أقول لعام بل لعدة أسابيع، ستندثر."

وهكذا سرعان ما أثير الدعوة إلى عودة سريعة إلى لعمل. وكانت جملة الساعة الجديدة" لا يمكن أن يكون علاج الجائحة أسوأ من الداء نفسه." وفي تجاهل لتحذيرات الخبراء الصريحة من الجائحة أعلن ترامب أن على العمال العودة إلى عملهم في فترة لا تتجاوز اسبوعين. أما واقع أن هذا القرار المتهور سيكلف في حال تطبيقه حياة مئات آلاف البشر فلن يؤثر على ترامب.

لكن في هذا الموضوع بالتحديد ظهر إلى العلن صراع عميق غير قابل للتوفيق بين مصالح وأهداف الطبقة الرأسمالية وتلك الخاصة بالطبقة العاملة.

إن مطالبة الرأسماليين، مدعومين من قسم هام من وسائل الإعلام بعودة مبكرة وخطيرة إلى العمل يتعارض تماماً مع إصرار الطبقة العاملة على القضاء على الجائحة من خلال إيقاف الإنتاج غير الجوهري والحرص الكامل على إجراءات السلامة لحماية العمال الذين يمارسون الأعمال الجوهرية التي لا يمكن إيقافها، وذلك لمصلحتهم ولمصلحة الجمهور الذي يخدمونه. وحتى ولو أن إدارة ترامب، في مواجهة الزيادة الأٌسية في معدل الإصابات والارتفاع السريع في أعداد الوفيات، تراجعت الآن عن دعوتها إلى عودة مبكرة إلى العمل، لكن مصالح الشركات ما تزال تحرم العمال الذين يقدمون خدمات جوهرية من شروط السلامة التي ترتبط بها حياتهم.

إن الامتناع العشوائي عن العمل وأفعال الاحتجاج في شركة إنستاكارت، وأمازون وعمال شركة الغذاء الكامل وفئات أخرى من الطبقة العاملة لا تظهر الاستقطاب الطبقي في المجتمع وحسب بل هي التعبير الأولي عن جهود متنامية للطبقة العاملة لطرح حل تقدمي لهذه الأزمة، حل ينطلق من الاحيتاجات الموضوعية للبشرية بوصفها كل متكامل.

ليس هناك من شك أن أفعال العمال في إنستاكارت، وأمازون وعمال شركة الغذاء الكامل تحظى بدعم الكتلة الأكبر من الطبقة العاملة، ومن أجل حشد وتنظيم هذا الدعم نحن ندعو العمال لتشكيل لجان عمالية في الموقع لتنسيق نضالاتهم وبناء أكبر قدر من الوحدة ضمن صفوف كل فئات الطبقة العاملة.

إن الإضرابات تتطلب توجهاً سياسياً جديداً. ومن الضروري تحقيق القطيعة مع النظام الحزبين الديمقراطي- الجمهوري الرأسمالي المرتبط بشكل كامل بالطبقة الرأسمالية. وثمة أهمية حيوية في حصول هذه الحركة، التي تشدد على الأولوية المطلقة للحياة على الأرباح، على وعي سياسي أي على توجه اشتراكي. إن النضال ضد الجائحة مرتبط بشكل غير قابل للانفصام بنضال العمال ضد الرأسمالية.

ولتحقيق هذا الهدف فإن حزب المساواة الاشتراكية يطرح المطالب التالية:

ومن خلال طرح هذا البرنامج نصرح علناً أن تحقيقه مرتبط بنقل السلطة السياسية إلى الطبقة العاملة، مدعومة بكل القوى التقدمية في المجتمع.

إن هذا التصريح يركز على التطورات في الولايات المتحدة. إنما الجائحة هي أزمة شاملة وقد برزت مواضيع اجتماعية وسياسية مماثلة في كل بلد. إن كل البلدان، والعديد منها لا يمتلك أكثر من جزء بسيط من الموارد المتوفرة في الولايات المتحدة، تعيش تجربة مأساوية مع هذه الجائحة. ولهذا فإن مكافحة الجائحة تتطلب وحدة الطبقة العاملة على مستوى العالم. لا يوجد في هذا الصراع مكان لسياسات شوفينية قومية ولسياسات القوى الكبرى.

فقبل قرن من الزمان، و على أعتاب الحرب العالمية الأولى قالت الثورية روزا لوكسمبورغ أن البشرية تواجه الخيار بين الاشتراكية والهمجية.

واليوم ثمة خيارين يطرحان نفسيهما : نظام رأسمالي وموت أو الاشتراكية والحياة.

ونحن ندعو كل الذين يقرون بضرورة هذا النضال في سبيل سلطة العمال والاشتراكية إلى الانضمام إلى حزب المساواة الاشتراكية.