اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وأوروبا في ميونيخ

By أندريه ديمون
١٨ شباط فبراير ٢٠٢٠

هيمن على مؤتمر الأمن السادس والخمسين في ميونيخ انهيار حلف الناتو وسط تجدد الاستعدادات لـ "صراع القوى العظمى" وتنافس جديد من قبل القوى الإمبريالية لإعادة استعمار العالم.

وفي بيان صريح أوضح التقرير الافتتاحي للمؤتمر أن "الحروب الكبرى بين الدول ليست بالضرورة شيئًا من الماضى". بل إن "عودة منافسة أكثر حدة للقوى العظمى قد تجعل الحرب أكثر احتمالاً مرة أخرى".

رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ، في الوسط ، تحضر مؤتمرا صحفيا مع أعضاء الوفد الأميركي خلال مؤتمر ميونيخ الأمني في ميونيخ ، ألمانيا ، الأحد ، 16 شباط / فبراير 2020. (صورة أسوشيتد برس / جينز ماير)

وفي كلمة ألقاها أمام المندوبين ، حذر وزير الدفاع الأميركي مارك إسبير: "نحن الآن في عصر المنافسة بين القوى العظمى" ، بمعنى أننا "لابد أن نتحرك بعيداً عن الصراعات المنخفضة الكثافة ونعد مرة أخرى للحرب الكثافة العالية ".

وفي حين كان هناك إجماع بين القوى الإمبريالية على ضرورة الاستعداد لخوض هذه الحروب ، فمن المثير للدهشة الانقسامات بينها بخصوص الدول التي ينبغي استهدافها.

وفي هذا الجو المشحون ، اندلعت التوترات والنزاعات التي تختمر طويلاً بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى السطح ، مما كشف عن أوسع الانقسامات بين واشنطن وحلفائها في حلف الناتو في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وكان السياق المباشر للمؤتمر هو القرار الذي اتخذته فرنسا وألمانيا ، ومؤخراً بريطانية برفض المطالبات الأمريكية بحظر شركة هواوي الصينية للاتصالات من بناء البنية التحتية الخلوية في بلدانهم.

في سلسلة من الخطب ، سعى المسؤولون الأميركيون إلى تنمر وحفز حلفائهم في الناتو للانضمام إلى المحور الأميركي المناهض للصين. واقترنت تهديدات وزير الدفاع إسبير بالتوعيظ الأخلاقي من قبل رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي والانتصارية الفارغة  لوزير الخارجية مايك بومبيو ، الذي أعلن أن "الغرب هو الفائز".

شدة الانقسامات بين الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو بلغت ذروتها عندما سألت دبلوماسية صينية سؤالًا يتحدى ادعاء رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي بأن هواوي كانت تصدر "الاستبدادية الرقمية" ، وكان التصفيق في المؤتمر واسع النطاق.

إن وجود بيلوسي ووجود رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب آدم شيف ، الذي اختتم للتو من محاولة فاشلة لإزالة ترامب على أساس أنه لم يكن عدوانيًا بشكل كافٍ ضد روسيا ، قدما جبهة موحدة لما أسماه إسبير "الهم الأول للبنتاغون: جمهورية الصين الشعبية".

عندما سئلت عما إذا كانت توافق على "سياسة الرئيس ترامب تجاه الصين" ، أجابت بيلوسي بأن "لدينا اتفاق في هذا الصدد".

وبعيداً عن الانقسامات المتفجرة بين الولايات المتحدة وحلفائها الرمزيين في أوروبا ، فقد هيمن على الحدث بالكامل شعور عميق بعدم الارتياح وجو من الأزمة. أعلن البيان الافتتاحي الذي أدلى به وولفجانج إيشينجر ، رئيس المؤتمر ، أن "الغرب في الواقع في ورطة خطيرة ".

وكان موضوع المؤتمر "عدم استقرار الغرب". استخدم التقرير الافتتاحي جهاز التأطير السبنغلري لـ "الغرب" ليشمل مجموعة كاملة من الأزمات: تراجع الهيمنة الأمريكية ، ونمو الصراعات بين الولايات المتحدة وأوروبا ، وصعود اليمين الفاشي وانهيار المعايير الدولية.

وتحدث التقرير عن "الخلافات" و"الانقسامات داخل الغرب" ، مُركزاً على عدد من القضايا ، "من مستقبل الاتفاق الإيراني ومشروع خط الأنابيب نورد ستريم 2 إلى الإنفاق الدفاعي لحلف شمال الأطلسي والاختلالات التجارية عبر الأطلسي".

وحتى مع استمرار هذا الحدث ، أعلنت الولايات المتحدة عن رسوم جمركية جديدة على الطائرات الأوروبية، في حين تفاخر وزير الطاقة الأميركي دان برويليت بنجاح العقوبات الأميركية في إجبار ألمانيا على التخلي عن خططها الرامية إلى بناء خط أنابيب للغاز الطبيعي مع روسيا.

وعلى الرغم من أهميته في حد ذاته ، فإن الصراع حول هواوي هو في العديد من النواحي وكيل لانقسامات أكثر أساسية. وكما كان الحال في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى ، تتدافع القوى الكبرى من أجل إعادة تقسيم العالم ، باستخدام اللغة الاستعمارية المتمثلة في "مناطق النفوذ".

وكما أشار مقال في "فورين آفيرز" مؤخراً فإن "الأحادية القطبية قد انتهت ، ومعها الوهم بأن الدول الأخرى سوف تأخذ مكانها المحدد لها ببساطة في نظام دولي تقوده الولايات المتحدة. وبالنسبة للولايات المتحدة ، سيتطلب ذلك قبول الحقيقة بأن هناك مجالات نفوذ في العالم اليوم — وأن جميعها ليست مجالات أمريكية. "

وفي مساهماتهم ، أوضح جميع القادة الأوروبيين حرصهم على الحصول على ما أسماه القيصر فيلهلم "مكاناً تحت الشمس".

وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس: "يتعين على أوروبا أن تُظهر قوتها في المستقبل". واختتم حديثه قائلا: "إن ألمانيا على استعداد للمزيد من المشاركة ، بما في ذلك المشاركة العسكرية ، لحل أزمات مثل "العراق ، وسوريا ، وليبيا ، وأوكرانيا ، والساحل".

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي في عام 1991 ، بدأت الولايات المتحدة في إعادة تنظيم العالم من خلال القوة العسكرية العارية ، بدءًا بحرب الخليج الأولى. وكما كتبت اللجنة الدولية للأممية الرابعة في ذلك الوقت ، فإن حرب الخليج اتسمت بـ‎:

بداية إعادة تقسيم إمبريالي جديد للعالم. نهاية حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية تعني نهاية حقبة ما بعد الاستعمار. وكما تعلن البرجوازية الإمبريالية "فشل الاشتراكية" ، فإنها تعلن ، بالأفعال إن لم تكن بعد بالأقوال ، فشل الاستقلال بعد عصر الاستعمار. إن الأزمة المتفاقمة التي تواجه جميع القوى الإمبريالية الكبرى تجبرها على تأمين السيطرة على الموارد والأسواق الاستراتيجية. ويجب إعادة إخضاع المستعمرات السابقة ، التي حققت درجة من الاستقلال السياسي. في هجومها الوحشي على العراق ، تقوم الإمبريالية بالإشعار بأنها تنوي استعادة الهيمنة الغير مقيدة للدول المتخلفة التي كانت تفرضها قبل الحرب العالمية الثانية.

إن جهود الإمبريالية الأمريكية لاستعادة السيطرة على العالم لم تخلق كارثة إنسانية هائلة فحسب ، بل إنها انتهت بكارثة للولايات المتحدة. كما أوضح العدد الأخير من مجلة فورين آفيرز:

اجتمع صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة طيلة ما يقرب من ثلاثة عقود في اتفاق حول الفرضية التي وضعها مخططو البنتاغون في عام 1992: ينبغي على الولايات المتحدة أن تحافظ على تفوق عسكري ساحق لدرجة أنه من شأنه أن يردع الحلفاء والمنافسين على حد سواء عن تحدي سلطة واشنطن. وسرعان ما أصبح هذا التفوق غاية في حد ذاته. من خلال السعي إلى الهيمنة بدلاً من مجرد الدفاع ، تسببت استراتيجية التفوق في دفع الولايات المتحدة إلى دوامة هابطة: فقد ولَّدَت الأفعال الأميركية خصومٍ وأعداء ، الذين جعلوا بدورهم من الهيمنة أكثر خطورة على الولايات المتحدة أن تسعى إلى تحقيقها.

وحتى مع تسبب سلسلة الحروب الدموية التي شنتها الولايات المتحدة في خلق كارثة تلو الأخرى ، فإن الإمبريالية الأميركية ترى بغطرستها المميزة الحروب الجديدة والتهديدات الجديدة وسيلة لتخليص نفسها من هذه الأزمة. ولكن هذا لا يَعِد إلا بكوارث جديدة.

إن الفظاظة التي يتحدث بها ممثلو القوى الإمبريالية عن استعداداتهم للحرب العالمية تعبر عن الأخطار الهائلة التي تواجه البشرية وعن الحاجة الملحة إلى بناء حركة جماهرية جديدة مناهضة للحرب تقوم على الطبقة العاملة الدولية.