أربعون عام على الثورة الإيرانية

١٢ شباط فبراير ٢٠١٩

في مثل هذا الأسبوع قبل أربعين عام أسقطت الثورة الإيرانية ديكتاتورية الشاه، وهي حكم استبدادي أقامته الولايات المتحدة من خلال انقلاب عسكري دبرته عام 1953 واستمر طوال ربع قرن في لعب دور مسمار عجلة عنف إمبريالية الولايات المتحدة ومؤامراتها في الشرق الأوسط وعبر منطقة أوراسيا.

إن الانتفاضة الشعبية التي كنست نظام الشاه محمد رضا بهلوي وحاشيته ، و رفاقه منالرأسماليين المقربين وجلادي السافاك إلى مزبلة التاريخ كانت ذروة عام من احتجاجات جماهيرية متصاعدة ومن الإضرابات . وشارك في النضال ضد ديكتاتورية الشاه الملكية فئات واسعة من الطبقة العاملة ومن فقراء المدن وأبناء الطبقة الوسطى لكن إضراب عمال النفط في إيران هو الذي قصم ظهر النظام المطلق المدعوم من الولايات المتحدة.

كان التشابه بين ثورة إيران 1979 و ثورة 1917 الروسية واضحاً واثار وقتها الكثير من التعليق حتى في وسائل الإعلام الرأسمالية. وفي أعقاب الإطاحة بالشاه توسعت الانتفاضة الثورية وتعمقت لكن في حين احتل العمال المصانع وبنوا منظمات نضال جديدة في مواقع العمل واستولى الفلاحون على الأراضي التي غاب ملاكها لكن السلطة لم تنتقل إلى أيدي حكومة عمال متكئة على فقراء المدن وعلى كادحي الريف .

وبدلاً عن ذلك تمكن نظام رأسمالي جديد من تثبيت قواعده خلال السنوات الثلاث اللاحقة على الرغم من أن ذلك لم يتم دون صدامات عنيفة وفقط من خلال القمع الشرس ضد اليسار وضد كل أشكال تنظيم مستقل للطبقة العاملة .

أراد هذا النظام ترسيخ جذوره بين تجار البازار وغيرهم من فئات البورجوازية الإيرانية التقليدية المستاءين من احتكار الثروة النفطية المزدهرة من قبل الشاه و محاسيبه والإمبريالية. سياسياً كان النظام تحت قيادة فئة متنوعة من رجال الدين الذين استخدموا الدعوات الشعبوية الشيعية لتسخير الانتفاضة ليقوموا بعد ذلك بتشتيت وقمع الانتفاضة المناهضة للإمبريالية سياسياً. وكان رجال الدين الشيعة بوصفهم حراس الملكية البورجوازية قادرين على أن يضمنوا لأنفسهم مواقع رفيعة ضمن المؤسسات السياسية للجمهورية الإسلامية مثل موقع المرشد الأعلى للثورة الذي شغله آية الله خميني حتى وفاته عام 1989 وخلفه فيه منذ ذلك الوقت آية الله خامئني.

دور الثورة المضادة لحزب تودة الستاليني

يعتبر حزب تودة الستاليني والسياسات الستالينية المسؤول الرئيسي عن الانحراف المأساوي للثورة الإيرانية.

لقد كان هناك علاقة طويلة وعميقة بين الطبقة العاملةالإيرانية والاشتراكية الثورية تعود إلى العقد الأول من القرن العشرين عندما قام كادر الحزب البلشفي بنشر وعي سياسي في صفوف عمال إيرانيين مهاجرين اشتغلوا في حقول النفط وفي صناعات أخرى في جنوب روسيا .

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية برز حزب تودة بوصفه حزب الجماهير السياسي الأول في إيران، وكان قائداً لحركة نقابية نضالية ضمت مئات آلاف العمال ومنافساً محتملاً على السلطة. لكنه كان مؤيداً للنظرية المنشفية-الستالينية حول وجود مرحلتين للثورة وقام حزب تودة بإلحاق الطبقة العاملة بما وصف " بالجناح التقدمي " للبورجوازية وبهذا ساعد على خلق الظروف السياسية لانقلاب 1953 الذي أعدته وكالة الاستخبارات المركزية وأدى إلى قيام النظام المطلق للشاه .

وفي المنفى جنحت قيادة تودة باستمرار إلى اليمين وسعت للتحالف مع منشقين عن نظام الشاه بما في ذلك جنرال أشرف على القمع الفظ للحزب بعد انقلاب 1953. وبعد أن تخلى الستالينيون عن أي محاولة جدية للوصول إلى الطبقة العاملة الإيرانية فاجأهم انفجار المعارضة الجماهيرية لنظام الشاه 1978.

وبعدها ساروا خلف خميني ومجدوه باعتباره قائد " الثورة الوطنية الديمقراطية" كما وظفوا النفوذ الذي لا كان يزال يمتلكه حزب تودة ، وبشكل خاص بين فئة من عمال الصناعة ، لخدمة البورجوازية الإيرانية . ففي شهر ديسمبر 1979 أعلن الأمين العام للحزب نورالدين كيانوني بشكل صريح أن تعاون الستالينيين مع نظام خميني كان " استراتيجي" لأن الشيعية عقيدة ثورية وتقدمية لن تقف أبداً عائقاً في طريقنا نحو الاشتراكية.

وكان هناك دور إضافي ساهم في تشويش الشبان ذوي التوجه الاشتراكي الذي لعبته مختلف جماعات حرب الغوار المسلحة التي برزت في بداية العقد السابع من القرن العشرين كرد فعل جزئي على سياسات حزب تودة اليمينية. واستندت تلك المجموعات إلى خليط انتقائي من الستالينية، و الماوية ، والغيفارية ، وأنصار نزعة العالم الثالث، وفي بعض الأحيان " اشتراكية إسلامية " مثل فدائيي خلق ومجاهدي خلق التي قامت بفصل الشباب ذوي الميول الاشتراكية عن الطبقة العاملة وخلق وهم القدرات الثورية والمناهضة للإمبريالية للملالي وللبورجوازية الإيرانية.

كانت الثورة الإيرانية ضربة مؤلمة بالنسبة لإمبريالية الولايات المتحدة فقبل أربعة عشر شهر فقط على الإطاحة بالشاه احتفى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بنظامه بوصفه "جزيرة استقرار".

ومع ذلك ، كان قلق واشنطن وخوفها الرئيسي ، في أعقاب إطاحة بعرش الطاووس ، هو أن الانتفاضة المعادية للإمبريالية ستتحول إلى ثورة اشتراكية أو – بالاستناد إلى رؤية عقيدة الحرب الباردة- إلى وصول حزب تودة إلى السلطة. كانت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، التي كانت ملجأ للخميني – وهو كان منفيا منذ عام 1965 - خلال الأشهر الأخيرة قبل الثورة، بإطلاق إشارات عن استعدادهن للعمل مع آية الله ومع الحكومة المؤقتة التي عينها في فبراير 1979.

لكن العلاقات سرعان ما تدهورت بسبب طلب واشنطن من طهران الخضوع التام للأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة. ولم يقتصر هذا على التعارض مع مصالح الفئة المهيمنة من البورجوازية الإيرانية التي نطق باسمها خميني بل لأن آية الله أدرك أن أية حكومة إيرانية يراها الناس تتملق واشنطن ستدخل في مجابهة مباشرة مع الجماهير الثائرة.

استخدم خميني احتلال السفارة الأمريكية في نوفمبر 1979 ( أزمة الرهائن) لتهميش مهدي بارزاكان الذي كان خياره الأول في منصب رئيس الوزراء و وتهميش فئات أخرى من المعارضة البورجوازية التقليدية للشاه الذين سعوا لعلاقة وطيدة مع واشنطن ممن دعوا علناً لتهدئة الثورة.

وكان هذا في كل حال مجرد تحضير لتحول نظام خميني و أقرب أنصاره المنتظمين الآن في الحزب الجمهوري الإسلامي والبورجوازية الإيرانية ضد من بدا لهم أنه الخطر الرئيس متمثلاً بالطبقة العاملة وباليسار. وبالتعاون مع حزب تودة الستاليني – إلى أن تم استهدافه بدوره- قمعت الحكومة الإيرانية " الثورية" بعنف متصاعد وبالشدة كل أشكال تعبير الطبقة العاملة عن نفسها والانتقادات اليسارية بوصفها تقويضاً للوحدة الوطنية وتعزيزاً للامبريالية.

كما استخدم نظام خميني بشكل مماثل الحرب الإيرانية العراقية التي دامت ثمان سنوات و قتل خلالها قرابة المليون إيراني وأكثر من نصف مليون عراقي حجة لتعميم القمع وآلة لتحويل الطموحات الثورية والطاقة التي حفزتها الانتفاضة المناهضة للإمبريالية التي أطاحت بالشاه إلى حرب رجعية.

النقارب مع الإمبريالية و" إصلاحات" مؤيدة للسوق

وقبل وفاته بوقت قصير وتحت ظروف تهديد واشنطن باستخدام حرب إيران- العراق حجة لمهاجمة الجمهورية الإسلامية أمر خميني بتغيير مفاجىء لمسار الأمور حيث تخلت الجمهورية الإسلامية عن مطالبتها بدفع العراق تعويضات عن الحرب المفترسة وسعت لتغيير التوجه والتقارب مع الإمبريالية. وتحت قيادة كل من المرشد الأعلى الذي عينه خميني والرئيس رفسانجاني تحركت إيران بسرعة لفرض سياسات "الإصلاح" الهيكلي التي فرضها صندوق النقد الدولي بما في ذلك الخصخصة و إزالة القيود وخفض الإنفاق الاجتماعي ، مع هدف واضح تمثل في تجديد العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع أوروبا ، وإن أمكن ، مع رأسمال الولايات المتحدة.

ومنذ 1989 وتحت قيادة رؤساء مدعومين من أهم فئات النخبة السياسية في الجمهورية الإسلامية من " المحافظين" ومن " المبدأيين" إلى " الإصلاحيين" قامت الحكومة الإيرانية باسم " الإصلاحات المؤيدة للسوق" بشكل منهجي بتفكيك كل التنازلات الاجتماعية التي حصلت عليها الطبقة العاملة وفقراء المدن والريف في ذروة الثورة. وهذا ينطبق على الحكومات التي قادها الشعبوي محمود أحمدي نجاد بشكل لا يقل عن انطباقها على حكومات رفسنجاني و " الإصلاحي" خاتمي وحسن روحاني المتعطش للنيوليبرالية الذي صار رئيساً لإيران منذ 2013.

واليوم تتميز إيران بتفشي التفاوت الاجتماعي المتزايد، ومن بطالة واسعة ومن عقود عمل غير ثابتة .

كما أن وضع إيران على مستوى العالم مشابه حيث أن نظام الملالي البورجوازي في الجمهورية الإسلامية ثابر خلال العقود الثلاثة الماضية على البحث عن توافق مع القوى الإمبريالية بما في ذلك الإمبريالية الأمريكية على الرغم من رفض واشنطن المتكرر للانفتاح على إيران والعداء غير المحدود تجاهها، بما في ذلك تهديدات بشن الحرب من قبل كل الرؤساء منذ عهد جيمي كارتر.

عام 2001 قدمت إيران دعماً لوجتستياً وسياسياً للولايات المتحدة في غزوها لأفغانستان وقيام واشنطن بتنصيب حميد فرضاي رئيساً دمية للبلاد. وعندما استعدت الولايات المتحدة لاجتياح العراق عام 2003 قامت إيران باالمبادرة بإجراء محادثات سرية مع إدارة بوش. وبعد ذلك بوقت قصيرقيام القوات الأمريكية باحتلال بغداد عرضت طهران الخضوع لمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في جميع المجالات بما في ذلك الاعتراف بإسرائيل ، وقطع كل المعونات لحماس، والضغط لنزع سلاح حزب الله فقط إذا تعهدت الولايات المتحدة بعدم متابعة تغيير النظام.

فرض أوباما عقوبات اقتصادية قاسية على إيران وكرر تهديداته بمهاجمة البلد. بعدها وفي 2015-2016 اختار عقد أول صفقة ديبلوماسية هامة بين الولايات المتحدة وإيران منذ ثورة 1979 وقبل بتخفيف عقوبات الولايات المتحدة على إيران مقابل تفكيك قسم كبير من برنامجها النووي المدني.

وكما شرح موقع الاشتراكية العالمية وقتها فقد كان هناك نقطتين في حسابات أوباما المفترسة وراء ذلك التحول : أن المواجهة الشاملة مع إيران ستتعارض مع استراتيجية واشنطن العسكرية للهجوم على خصمين أكثر أهمية هما روسيا والصين وأن إعادة فتح أبواب إيران أمام الولايات المتحدة والأوروبيين سيولد فرص جديدة لتعميق الانقسام ضمن نخبة الملالي والبورجوازية الإيرانية بما في ذلك الفئة الكبيرة المتعطشة لشراكة مع واشنطن بهدف دفع إيران لتصبح حليف تابع للولايات المتحدة.

كما حزر موقع الاشتراكية العالمية أن الاتفاق النووي الإيراني لا يساوي ثمن الورق الذي طبع عليه لأن واشنطن ستتخلى عنه فور شعورها بأن هذا سيمنحها مزايا.

وهذا بالتحديد ما قام به ترامب عندما فرض - في فعل عدواني يعادل الحرب - حظر عالمي أحادي الجانب على التجارة مع إيران بهدف واضح هو تحطيم اقتصادها.

في غضون ذلك ، أعلنت الطبقة العاملة الإيرانية أنها عازمة على وضع حد لسنوات التقشف وانها لن تقبل قيام النخبة الحاكمة الإيرانية ببذل جهود لا تنتهي أبداً لجعل الطبقة العاملة تتحمل وحدها كل أعباء مواقف واشنطن العدوانية تجاه إيران.

وشهدت الأعوام الأخيرة موجة من احتجاجات وإضرابات العمال ضد الخصخصة ، وضد الرواتب المنخفضة والتي لا يتم دفعها ، و فقدان الوظائف والخدمات العامة المتداعية. وبدأ عام 2018 بإحتجاجات جماهيرية ضد الفقر وضد اللامساواة الاجتماعية ، وكان بعضها عنيفاً، وقاد الاحتجاجات شباب عاطلون عن العمل في بلدات ومدن المقاطعات التي طالما منحت النظام قسم هام من قاعدته الشعبية. وكان رد طهران القمع الشديد وسيل من الافتراءات هدفت لتشويه سمعة الاحتجاجات بوصفها عملية بتحريض خارجي لتغيير النظام .

ومع ذلك استمر تصاعد المعارضة الاجتماعية حيث خاض المعلمون ، وسائقوا الشاحنات، وعمال المناجم ، وعمال الحديد والصلب ، وغيرهم من فئات الطبقة العاملة ، الإضراب عنالعمل خلال العام الماضي في مواجهة الاعتقال وعنف الشرطة. وكدليل على خوف النظام من تصاعد الاحتجاجات عرض التلفزيزن الحكومي الإيراني الشهر الماضي تسجيل لاعترافات انتزعت بالقوة من ناشطين شاركوا بإضراب طويل نفذه 4000 عامل في مجمع هافت تابيه لتصنيع قصب السكر، وأجبر الأشخاص على القول بأنهم عملوا بتوجيه من " شيوعيين" أجانب.

من الواضح ، في ظل ظروف الانهيار الرأسمالي وما يترتب على ذلك من تصاعد في العدوان الإمبريالي ، أن مجال البرجوازية الإيرانية للتوازن والمناورة بين الإمبريالية والطبقة العاملة يتضاءل بسرعة ، مما يرفع أزمة الجمهورية الإسلامية إلى مستوى جديد نوعي.

يجب على العمال في الولايات المتحدة وحول العالم بنشاط معارضة حرب واشنطن الاقتصادية وتحضيراتها لهجوم عسكري على إيران . إن معارضة العدوان الإمبريالي ضد إيران لا يقتضي ، أبداً، تقديم ذرة من الدعم السياسي للبورجوازية الإيرانية وجمهوريتها الإسلامية ناهيك عن الاعتذار لها. بل على العكس حيث أن الطبقة العاملة هي الأساس الوحيد القابل للتطبيقلمعارضة الإمبريالية في إيران وحول العالم.

وتتمثل القضية الأهم بتسليح الحركة المتصاعدة للطبقة العاملة الإيرانية باستراتيجية الثورة الدائمة التروتسكية بهدف توجيه الطبقة العاملة وإعدادها للتحشد سياشياُ للنضال في سبيل سلطة العمال وتوحيد العمال والكادحين المضطهدين في الشرق الأوسط من إيرانيين ، وعرب ، وأكراد، وأتراك ويهود مع الحركة الصاعدة للطبقة العاملة في أوروبا وفي أمريكا الشمالية ضد الإمبريالية وضد الحرب.

يجب على الطبقة العاملة الإيرانية استخلاص الدروس المرة لثورة 1979. ففي البلدان المضطهدة تاريخياً من قبل الإمبريالية لا يمكن حل أي من قضايا الجماهير الاجتماعية الملحة – بما في ذلك الاستقلال الحقيقي والفصل بين الدولة عن المؤسسة الدينية ، وإقامة مساواة أصيلة بين كل القوميات ، والتحرر من التمييز القائم على الانتماء لجماعة ما وتأمين الحقوقالاجتماعية والمساواة الاجتماعية للجميع- إلا إذا حولت الطبقة العاملة ذاتها إلى قوة سياسية مستقلة معارض للإمبرالية ولكل فئات البورجوازية وحشد المضتهدين خلفها في النضال لبناء جمهورية العمال الاشتراكية.

كيت جونز